"حين يمتحن الوطن بالدم تنتصر إنسانية الأردنيين"
جهينة نيوز -"حين يمتحن الوطن بالدم تنتصر إنسانية الأردنيين"
قراءة في فاجعة الكرك ومعنى أن يكون الوطن أكبر من الاختلاف
ليست كل الفواجع أحداثا تمر في ذاكرة الأوطان، فبعضها يترك جرحا في الضمير الإنساني، ويضع أمامنا سؤالا لا يحتمل التأجيل، كيف يمكن للإنسان أن يعتدي على إنسان آخر، وهو يعلم أن حرمة الحياة أسمى من كل اختلاف؟ هكذا جاءت الفاجعة التي شهدتها قرية حمود في محافظة الكرك، حين تحول مشهد تشييع إنساني في كنيسة القديس جاورجيوس إلى مأساة أدمت قلوب الأردنيين، وأعادت إلى الواجهة حقيقة لا يجوز أن تغيب عنا، وهي أن الاعتداء على الأبرياء في لحظات الحزن ليس جريمة بحق الضحايا وحدهم، بل اعتداء على قيم الوطن وكرامة الحياة ذاتها في تلك اللحظة، لم تكن الكرك مجرد مكان لوقوع الحادثة، بل كانت شاهدة على امتحان أخلاقي قاس. فالوطن الذي احتضن أبناءه على اختلاف معتقداتهم لا يمكن أن تختصره رصاصة، ولا أن تهزمه محاولة لبث الخوف والفرقة بين أهله. إن قوة الأردن الحقيقية لا تكمن في صلابته أمام التحديات وحدها، بل في قدرته على حماية إنسانه، وصون كرامته، والوقوف إلى جانب كل أسرة أصابها الألم، دون أن يسأل عن دينها أو انتمائها.
وحين نعود إلى جوهر الرسالات السماوية، ندرك أن حرمة الإنسان ليست تفصيلا هامشيا في الإيمان، بل هي من صميم معناه الأخلاقي. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا» (الحج: 40). وفي هذه الآية دلالة عظيمة على حماية دور العبادة من العدوان، وأن صونها قيمة تتجاوز حدود الجماعة الواحدة إلى معنى أوسع من العدل والحرية الدينية واحترام حق الإنسان في ممارسة شعائره بأمان.
وفي السنة النبوية، يضع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قاعدة أخلاقية عظيمة حين يقول: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» (رواه أبو داود). فكيف يستقيم الإيمان مع الظلم، وكيف يجتمع الانتساب إلى رسالة الرحمة مع الاعتداء على الأبرياء؟ إن التدين الذي لا يحمي الإنسان من القسوة، ولا يردع صاحبه عن سفك الدم الحرام، يفقد جوهره الأخلاقي مهما علت الشعارات التي ترفعه.
وفي الإنجيل، ترد كلمات السيد المسيح عليه السلام: «طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون» (متى 5:9). وهي دعوة واضحة إلى أن السلام ليس كلمة تقال في المناسبات، بل سلوك يصنعه الإنسان حين يختار الرحمة بدلا من الكراهية، والحوار بدلا من العنف، وصون الحياة بدلا من إهدارها. وحين نلتقي بهذه المعاني في الرسالات السماوية، ندرك أن اختلاف المعتقدات لا يلغي وحدة الضمير الإنساني، وأن احترام الإنسان وكرامته أساس لا يجوز التفريط فيه ومن هنا، فإن موقف الأردن بقيادته وشعبه من هذه الفاجعة ينبغي أن يكون امتدادا راسخا لقيم المواطنة والعيش المشترك التي يؤكدها جلالة الملك عبدالله الثاني في مواقفه الوطنية. فالمسيحيون والمسلمون ليسوا جماعتين تعيشان على هامش بعضهما، بل أبناء وطن واحد، تجمعهم الأرض والتاريخ والحقوق والواجبات، وتصونهم دولة تقوم على سيادة القانون وحماية المواطنين. وليس المطلوب اليوم مجرد إعلان التضامن، بل ترجمته إلى موقف وطني واضح يرفض الطائفية، ويحمي دور العبادة، ويضمن كشف ملابسات الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون وفي مثل هذه اللحظات، تصبح العدالة ضرورة وطنية وأخلاقية، لا تقبل التأجيل ولا التهاون. فرفض الفتنة لا يعني الصمت عن الجريمة، والتسامح لا يعني الإفلات من العقاب، والوحدة الوطنية لا تعني تجاوز حقوق الضحايا، بل تعني أن نطالب بالحقيقة كاملة، وأن نترك للقانون مسؤولية المحاسبة، وأن نرفض في الوقت ذاته تحميل جماعة أو فئة بأكملها مسؤولية فعل ارتكبه أفراد. فالعدالة تحمي المجتمع من الظلم، وسيادة القانون تمنع الجريمة من أن تتحول إلى باب جديد للفوضى والكراهية.
وأقول أنا إن الرصاصة التي تستهدف إنسانا في لحظة وداعه لا تقتل جسدا فحسب، بل تحاول أن تزرع الخوف في قلب المجتمع كله. غير أن الرد الحقيقي على هذا الشر لا يكون بالانتقام الأعمى، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بإدانة جماعة بأكملها، بل بالتمسك بالعدالة، ومساندة أسر الضحايا، والوقوف إلى جانب المصابين، ورفض كل خطاب يسعى إلى تحويل الدم إلى فتنة. فليس من الوفاء للضحايا أن نسمح للمجرم بأن يحقق، بعد جريمته، ما أراده من فرقة بين أبناء الوطن.
وأقول أنا إن الأوطان لا يحميها تشابه أبنائها، بل يحميها إيمانهم بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن دمعة الأم واحدة مهما اختلفت أبواب العبادة، وأن العدالة لا تعرف دينا ولا طائفة، بل تعرف حقا يجب أن يعود إلى أصحابه. فالمواطنة ليست شعارا نرفعه حين نختلف، بل مسؤولية نحملها حين يتألم الآخر، وامتحانها الحقيقي أن نقف معه كما نقف مع أنفسنا، وأن نرفض الظلم أيا كان ضحيته، وأن نتمسك بالقانون والإنسانية معا.
إن فاجعة حمود ستبقى ألما في ذاكرة الأردن، لكن الوفاء لمن فقدوا حياتهم يقتضي أن تتحول هذه اللحظة إلى عهد متجدد بحماية الإنسان، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ ثقافة السلام. وستظل الكرك، بتاريخها وكرامة أهلها، جزءا أصيلا من وطن لا تختصره جريمة، ولا تفرقه رصاصة، ولا يستطيع الحقد أن ينتزع من أبنائه معنى الأخوة.
فلتبق أجراس الكنائس وأذان المآذن صوتين في فضاء واحد، وليبق اختلاف المعتقدات مساحة للتعارف لا ذريعة للعداء. فحين نحمي حق الآخر في الحياة والعبادة، فإننا لا نحميه وحده، بل نحمي أنفسنا وضميرنا ومستقبل وطننا.
فالأردن لا يكون أقوى حين يتشابه أبناؤه، بل حين يختلفون ويبقون إخوة، ولا ينتصر حين يخلو من الألم، بل حين يرفض أن يسمح للألم بأن يتحول إلى كراهية.
بقلم 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب













