banner
كتّاب جهينة
banner

من الكرك تتجدد رسالة الأردن

جهينة نيوز -
  د. حازم قشوع

ليست الكرك مجرد مدينة أردنية تختزن تاريخًا عريقًا، بل هي بوابة بيت المقدس وامتداد جغرافي وحضاري ارتبط بفرسان القدس وأجنادها، وشكّل عبر التاريخ جسرًا بين ضفتي النهر وملتقى للحضارات والأديان. ومن هذه الجغرافيا التي تداخلت فيها حكاية الأرض والإنسان، اكتسبت الكرك مكانتها في الوجدان الأردني، لتبقى عنوانًا للتلاقي لا للافتراق، وللتعايش
 لا للصدام.

فالأردن الذي تشكّلت هويته عبر تلاقي الحضارات وتعايش الأديان، جعل من المواطنة الجامعة أساسًا للعلاقة بين أبنائه، ولم يجعل من الاختلاف الديني حاجزًا بينهم. وهنا لا يبدو الهلال والصليب عنوانين للتباعد، بل شاهدين على تاريخ من التآخي والشراكة، وركنين في صورة وطن احتضن أبناءه على اختلاف معتقداتهم، وجعل من العيش المشترك حقيقة متجذرة في الحياة اليومية، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

وعلى هذه الأرضية، فإن الجريمة التي شهدتها كنيسة حمود في الكرك لا تستهدف ضحاياها وحدهم، بل تمسّ السلم المجتمعي وتسعى إلى بث الخوف وزرع الشك بين مكونات المجتمع. وقد عرفت الكرك قسوة الإرهاب في حادثة قلعتها عام 2016، حين استشهد رجال أمن ومواطنون، لكنها أثبتت أن الجراح لا تتحول بالضرورة إلى انقسام، وأن تماسك المجتمع والتفافه حول وطنه يشكّلان خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الفتنة.

وكما تستذكر الكرك الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، رمز التضحية الوطنية، وتستحضر تضحيات شهداء قلعتها، وفي مقدمتهم المقدم سائد المعايطة، فإن شهداء جريمة كنيسة حمود يعيدون اليوم بعث رسالة الأردن؛ رسالة وطن تتوحد فيه الدماء والمواقف، ولا تفرّق بين أبنائه دور العبادة أو اختلاف المعتقدات. فالشهادة وجع أردني واحد، والاعتداء على أي مواطن أو مكان مقدس هو اعتداء على الوطن بأسره. ومن الكرك، التي تختزن ذاكرة التضحية وتمثل ملتقى الهلال بالصليب، تتجدد رسالة الوحدة الوطنية والتآخي وصون كرامة الإنسان.

إن استهداف دور العبادة أو المساس بأتباع أي دين لا يصيب جماعة بعينها فحسب، بل يستهدف إرثًا حضاريًا تشكّل عبر قرون، ويحاول النيل من صيغة وطنية جعلت من الهلال والصليب علامتين على وحدة المجتمع. فحماية دور العبادة ليست حماية للمكان الديني وحده، وإنما صيانة لحق الإنسان في ممارسة شعائره، وترسيخ لسيادة القانون، ورفض لتحويل الاختلاف إلى مدخل للصدام أو ذريعة للتحريض.

وفي هذا السياق، يكتسب وصول الملك عبدالله الثاني إلى الكرك بلباسه العسكري، وما حملته عبارته «بنورجيهم» من دلالة على الحزم، وإعلانه الحداد الرسمي في البلاد، معنى يتجاوز المواساة إلى تأكيد مسؤولية الدولة المباشرة عن حماية أبنائها وصون أمنهم وكرامتهم. فحين تحضر الدولة في موقع الفاجعة، فإنها لا تكتفي بتقديم العزاء، بل تؤكد أن المصاب لم يعد شأنًا محليًا أو مسؤولية أهلية فحسب، وإنما أصبح قضية وطنية جامعة. وتبرز دلالة ذلك  إسناد واجب استقبال المعزين إلى "محافظ الكرك" باعتباره تعبيرًا عن حضور الدولة في واجب العزاء، ومشاركة المجتمع أحزانه، وتأكيد أن وجع أي أردني هو وجع الوطن كله.

إن هذا الحضور يجسد وحدة الموقف بين القيادة والدولة والمجتمع، ويؤكد أن الكرك ليست وحدها، وأن الاعتداء على مواطن أو مكان عبادة لا يمكن اختزاله في شأن محلي أو فئوي. فالدولة التي تقف مع أبنائها في الألم تؤكد، بالفعل لا بالقول وحده، أن المواطنة مسؤولية متبادلة، وأن أمن الأردنيين وكرامتهم لا يتجزآن وهذا ما ممثله متابعة رئيس الديوان الملكي بتوجيهات ملكيه لظروف وحالة هذا المصاب الجلل وحضور رئيس الوزراء جعفر حسان ومدير المخابرات العامة ووزير الاوقاف بما يمثلون من هاله لبيت العزاء .

والكل الأردني، بمختلف مكوناته وأطيافه، وهو يلتقي في العزاء بهذا المصاب الجلل، إنما يؤكد تضامنه المطلق ورفضه القاطع لهذه الأفعال الإجرامية التي لا تمت إلى شيم الأردنيين وقيمهم بصلة. فالأردنيون، على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم، يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك، ومصابهم واحد، ووحدتهم في المحن ثابت وطني لا يقبل المساومة أو الاختراق.

وليس هذا الموقف منفصلًا عن طبيعة الدولة الأردنية التي جعلت من وحدة المجتمع ركيزة في مواجهة المحن، ومن الارتباط ببيت المقدس جزءًا من رسالتها التاريخية. فحماية المقدسات وصون كرامة الإنسان وحفظ التنوع الديني مسؤوليات متكاملة، وتماسك الأردنيين هو الأساس الذي يحمي الدولة من محاولات الاختراق وإشعال الفتنة.

لكن المناعة الوطنية لا تقوم على الاستجابة الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج إلى إنفاذ القانون وملاحقة الجناة ومواجهة الفكر المتطرف، إلى جانب قطع الطريق على الشائعات ومحاولات التحريض التي قد تستثمر الدم لإثارة الانقسام. فالإرهاب يسعى إلى تحويل الجريمة إلى شرخ اجتماعي، فيما تتمثل مسؤولية الدولة والمجتمع في منع ذلك، وترسيخ الثقة المتبادلة، وصون المواطنة التي يتساوى في ظلها الجميع.

وعلى هذه الأرضية، تتجدد رسالة الأردن من الكرك؛ رسالة 
دولة لا ترى في التنوع تهديدًا لوحدتها، ولا تسمح بأن يتحول الاختلاف إلى وسيلة للنيل من تماسكها. فالأردن لم يكن وطنًا لفئة دون أخرى، ولم تُبنَ هويته على إقصاء أحد، بل على شراكة أبنائه في الأرض والتاريخ والمصير والمسؤولية. وهذه الشراكة ليست إرثًا تاريخيًا فحسب، بل مسؤولية تتجدد كلما واجه الوطن محنة أو حاولت قوى التطرف المساس بنسيجه الاجتماعي.

إن الرسالة التي تخرج من الكرك هي أن الأردن أسرة واحدة في المحن، وأن استهداف أحد مكوناته لن يحوّل أبناءه إلى جماعات متقابلة، بل يستدعي مزيدًا من التلاحم والتمسك بالدولة والقانون. فالأوطان لا تُقاس بغياب المحن عنها، وإنما بقدرتها على تجاوزها دون أن تفقد تماسكها أو تتخلى عن قيمها.

هنا الأردن، هنا بوابة بيت المقدس. وكما كانت البلقاء وعجلون امتدادًا لتاريخ هذه الأرض وعمقها الحضاري، ستبقى الكرك رمزًا جامعًا للتاريخ والجغرافيا، وجسرًا للتلاقي بين الأديان والحضارات. ومن الكرك تتجدد رسالة الأردن، رسالة وطن يجمع أبناءه على المواطنة والمصير المشترك، حيث يلتقي الهلال والصليب في ظلال الوحدة الوطنية، وتبقى كرامة الإنسان وتماسك المجتمع أساسًا لدولة عصية على الفتنة والانقسام، تستظل برحمة الرحمن الرحيم، وتستند إلى إرث القيادة الهاشمية التي حملت مسؤولية صون المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحماية هويتها العربية، وترسيخ مكانتها بوصفها بوصلة للسلام والتلاقي بين الأديان.

وما زال الأردن، بقيادته الهاشمية وقيم شعبه، يؤكد أن التعايش والسعي إلى السلام ليسا خيارًا عابرًا، بل امتداد لإرث تاريخي يؤمن بأن الأديان جاءت لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان، لا لتبرير الصراع أو تأجيج الكراهية. فرسالة الأردن لا تقف عند حدود حماية وحدته الوطنية، بل تمتد إلى الإسهام في بناء سلام إقليمي يستند إلى احترام المقدسات والحقوق، ويجعل من الحوار والتفاهم طريقًا لصون مستقبل الأجيال.

فالأردن أسرة واحدة في المحن، ورسالة واحدة في السلام، ومن الكرك تتجدد هذه الرسالة لتبقى عنوانًا لوطن يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويؤمن بأن التعايش جوهر القوة، وأن السلام العادل هو الطريق إلى استقرار المنطقة.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير