التغير المناخي يدمر طموحات كرتيلات النووي!
جهينة نيوز -د. أيوب أبودية
تواجه أوروبا مفارقة لافتة في سعيها إلى مكافحة تغير المناخ: فبينما أوقفت العديد من الدول مشاريعها النووية لتوليد الطاقة بعد كارثة فوكوشيما، ما زالت تتجه حكومات أوروبية إلى توسيع الاعتماد على الطاقة النووية باعتبارها مصدرًا منخفض الانبعاثات الكربونية وقادرًا على إنتاج الكهرباء بصورة مستقرة، ولكن لسوء حظهم باتت آثار الاحترار العالمي نفسها تهدد قدرة بعض المحطات النووية على العمل.
وقد برزت هذه المفارقة بوضوح خلال صيف عام 2026، عندما شهدت أجزاء من أوروبا موجات حر وجفافًا شديدين أدت إلى انخفاض مستويات عدد من الأنهار إلى مستويات قياسية. وفي فرنسا، اضطرت محطة كاتنوم النووية إلى إيقاف أحد مفاعلاتها احترازيًا في أغسطس/آب بسبب انخفاض تدفق المياه، بينما تأثرت محطات أخرى بخفض إنتاجها.
ليست المشكلة في أن المفاعل النووي لا يستطيع إنتاج الكهرباء، وإنما في أن المحطات النووية تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لأغراض التبريد. وفي كثير من المحطات الأوروبية، ولا سيما تلك المقامة على ضفاف الأنهار، تعتمد أنظمة التبريد جزئيًا على مياه الأنهار. وعندما ترتفع درجة حرارة المياه أو ينخفض منسوبها وتدفقها، تصبح عملية التخلص من حرارة المفاعل أكثر صعوبة، وقد تضطر المحطة إلى خفض إنتاجها أو التوقف مؤقتًا حفاظًا على السلامة.
وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات في العلاقة بين الطاقة والمناخ. فالطاقة النووية لا تنتج كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون أثناء تشغيل المفاعلات، ولذلك ينظر إليها كثير من الحكومات الأوروبية باعتبارها جزءًا من الحل لمشكلة تغير المناخ. لكن تغير المناخ يؤدي في المقابل إلى موجات حر أكثر شدة، وجفاف أطول، واضطراب في الموارد المائية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في أداء المنشآت النووية وتعرضها للكوارث.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى فرنسا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة النووية في توليد الكهرباء. فقد أصبحت البلاد من أبرز المدافعين الأوروبيين عن استمرار الاستثمار في الطاقة النووية، بما في ذلك بناء مفاعلات جديدة من الجيل الحديث وإطالة عمر المفاعلات القائمة. لكن التجربة الأخيرة تطرح سؤالًا مهمًا: هل أخذت خطط التوسع النووي في الاعتبار بصورة كافية الظروف المناخية التي ستكون المحطات مضطرة إلى العمل فيها خلال العقود المقبلة؟
فالمفاعل النووي الذي يبدأ تشغيله اليوم قد يستمر في العمل لعقود. وهذا يعني أن تصميمه يجب ألا يعتمد فقط على المناخ الذي عرفناه في القرن العشرين، بل على المناخ المتوقع في منتصف القرن الحالي وما بعده. فإذا كانت موجات الجفاف والحرارة الشديدة ستصبح أكثر تواترًا، فإن كمية المياه المتاحة للتبريد ودرجة حرارتها يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من الحسابات الهندسية والاقتصادية منذ مرحلة التصميم.
ولا تقتصر المشكلة على الطاقة النووية. فالطاقة الكهرومائية تتأثر أيضًا بانخفاض تدفقات الأنهار، كما يمكن لمحطات الوقود الأحفوري التي تعتمد على التبريد المائي أن تواجه مشكلات مشابهة. ومن ثم فإن تغير المناخ بدأ يكشف نقطة ضعف أوسع في أنظمة الطاقة التقليدية: اعتماد جزء كبير من البنية التحتية الكهربائية على توفر المياه.
فمن الواضح ان المشكلة قد تدفع إلى تطوير تقنيات تبريد أكثر كفاءة وأقل اعتمادًا على المياه العذبة، وإلى اختيار مواقع جديدة تراعي التغيرات المستقبلية في الموارد المائية. كما يمكن استخدام أبراج التبريد أو أنظمة التبريد الجاف والهجين في بعض الحالات، وإن كانت هذه الحلول قد تكون أكثر كلفة أو أقل كفاءة في ظروف معينة. ولما كانت تكلفة الطاقة النووية باتت مكلفة جدا في ضوء زيادة عامل الأمان بعد كارثة فوكوشيما التي ما زالت اليابان تنفق عليها المليارات للسيطرة عليها، وفي ضوء تنامي الطاقات المتجددة الزهيدة التكلفة والتي لا تشكل خطورة مطلقا والتي اخذ تخزين الكهرباء يصبح اكثر تقدما وانتشارا لحل مشكلة غياب الشمس ليلا.
المشكلة الحقيقية، إذن، ليست في الاختيار البسيط بين الطاقة النووية والطاقة المتجددة، بل في بناء نظام طاقة قادر على الصمود أمام المناخ المتغير. فحتى الطاقة منخفضة الكربون يجب أن تكون قادرة على العمل في عالم أكثر حرارة وجفافًا واضطرابًا.
وقد تكون هذه هي الرسالة الأهم التي كشفت عنها أزمة صيف 2026: لا يكفي أن نسأل عن كمية الكربون التي تنتجها محطة الطاقة، بل يجب أن نسأل أيضًا: هل تستطيع هذه المحطة الاستمرار في العمل عندما يتغير المناخ الذي صُممت من أجله؟
إن التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون يتطلب بالتالي إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة نفسه. فلم يعد أمن الطاقة يعني مجرد توفر الوقود أو القدرة الإنتاجية، بل أصبح يشمل المياه، ودرجات الحرارة، ومخاطر الجفاف والفيضانات، والكوارث المحتملة، ومرونة شبكات الكهرباء، وقدرة المنشآت على مواجهة الظروف المناخية المتطرفة والحروب التي تزداد اشتعالا..فتخيلوا لا سمح الله حجم الضرر الذي يمكن أن يصيب المفاعلات الإماراتية في الحرب المشتعلة في الخليج اليوم؟
وقد تكون المفارقة الأوروبية درسًا مهمًا للعالم كله: الطاقة النووية يمكن أن تكون جزءًا من الحل المناخي، لكنها ليست محصنة ضد تغير المناخ. ولذلك فإن بناء مفاعلات جديدة دون دمج المخاطر المناخية المستقبلية في تصميمها وتخطيطها قد يؤجل المشكلة ويعقدها اقتصاديا وامنيا بدل أن يحلها.
إن عصر تغير المناخ يفرض قاعدة جديدة على هندسة الطاقة: لا يكفي أن تكون التكنولوجيا منخفضة الانبعاثات؛ يجب أن تكون أيضًا قادرة على الصمود أمام المناخ الذي ساهمت في إنقاذ العالم من تغيره.












