الأصولية الدينية وسياسة المصالح
جهينة نيوز -الدكتور: محمود المساد
أحدث مقالي الأخير قبل أيام "جميعهم ينتظرون تدخل ربّ السماء"،موجة حادّة من ردود الفعل، منهم من كان محقّا في بعض ما ذهب إليه، وآخرون لم تصلهم رسائل المقال كما أُريد لها أن تصل. وطرف ثالث كأنه يقول؛ الدين خط أحمر لا يجوز البحث فيه، ولا الخوض به، مع أنني أتحدث عن السياسيّين الذين ألبسوا مصالحهم، وفسادهم السياسي ثوب الدين.
كانت المضامين الرئيسة في مقالي السابق، وأؤكد عليها في هذا المقال، أن العالم منذ بدايات العصر الحديث، وحتى يومنا هذا يشهد حراكا سياسيّا، وأحيانا حروبا مسعورة توجهها المصالح المتعددة الأغراض التي غالبا ما تلبس ثوب الدين. ومن أمثلتها الفاقعة: حروب السنوات الأخيرة التي خلخلت استقرار الإقليم، وأبادت وتبيد مناطق، وسكان بطرائقَ وحشيةٍ نتِنة، ومنسلخة عن إنسانيّتها!!! وتبين أن ركاب هذه الحروب التي تحرق البشر، والشجر، والحجر بأحدث الأسلحة فتكا هي ما تسمّى "الصهيونية المسيحية"، وأكثر تحديدا "الإنجيليّة الصهيونية"، ويُطلق هذا المسمى عادة على أغلب المسيحيّين المنحدرين من الكنائس الأصولية البروتستانتية التي تؤمن بأنّ قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ كان ضرورة، ومتطلّبا أساسيّا لإتمام نبوءات الكتاب المقدس بعهدَيه: القديم والجديد. وعليه، فإن قيام إسرائيل يشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض ملِِكًا منتصرًا لألف عام، بعد حرب سيخوضها ضدّ الشّرّ في العالم.
إن حادثة إحراق السائح الأسترالي "دِنيس روهان" المسجد القبلي داخل المسجد الأقصى المبارك كشفت المفاجِأة الكبرى للعالم بأسره، حيث لم يكن الشاب الذي ارتكب هذه الجريمة يهوديّا صهيونيّا، ولكنه كان ينتمي إلى الكنيسة الإنجيلية المسيحية، ووصف نفسه بأنه "مبعوث الرب" الذي على يديه سيُهدم المسجد الأقصى، ويُعاد بناء الهيكل؛ ليخرج المسيح مُجدّدا في ظل مجتمع يهودي تماما، كما خرج أول مرة قبل ألفي عام.
وفي ذات السياق، وضّح المؤرخ "إيلان بابيه" أن اللوبي الصهيوني لم ينشأ بوصفه حركة يهودية خالصة، بل كونه تَحالفا ثلاثيّ الأركان قام في بريطانيا منتصف القرن 19. تكوّن هذا التحالف من المسيحيين الإنجيليين الذين انطلقوا من دوافع لاهوتية، والإمبرياليين البريطانيين الذين رأوا في المشروع فرصة لتوسيع نفوذهم على حساب الإمبراطورية العثمانية، وأقلية من النشطاء الصهاينة في أوروبا، بهدف تحويل الفكرة الدينية إلى مشروع استعماري سياسي يهدف إلى نقل يهود وسط أوروبا، وشرقها إلى فلسطين لحل ما يعدّونه بنظرهم "مشكلة أوروبية".
وبذات السياق، فإن رائد حركة الإصلاح الديني" مارتن لوثر" في كتابه " المسيح ولد يهوديّا"دافع عن اليهود، ونبش العقائد الدينية السابقة للكنيسة، وبعث نبوءات العهد القديم بصورة لم يألفها المجتمع المسيحي حينذاك، وأثّر وغيّر الكثير في نظرة المجتمع المسيحي لليهود، وجعل من العهد القديم مفتاحا للكشف عن الجذور اليهودية للمسيحية.
وعَودا إلى بعض ردود الفعل على مقالي السابق نختار:
⁃كتب الدكتور تيسير العماري:
اسمح لي أن أنوه إلى أن المسيحية المتصهينة هي" الإيفانجيلية" وليست "الإنجيليّة "، ودُعِمت من الصهيونية إعلاميّا وماليّا.وكان كارتر أول رئيس أمريكي منهم، ثم جاء ريكان، من بعده، ثم بوش الأب، ثم بوش الابن،ثم بايدن ، ثم ترامب، وجميعهم دُعِموا من الأفانجيلين في أمريكا، ويقدّر عددهم من سبعين إلى ثمانين مليونا ،فهم قوه انتخابيه كبيرة يؤمنون بالمجيء الثاني للمسيح الذي سيحكم العالم الف سنة. ولن ياتي المسيح إلا بإقامة دولة إسرائيل، ومجيء كل اليهود إلى فلسطين، وإعادة بناء الهيكل.
⁃كتبت الدكتورة صفاء شويحات:
أخشى من تصوير أتباع أديان، أو طوائف كاملة، وكأنهم يتحركون ضمن مشروع موحّد يحمل خطر تعزيز الصور النمطية، والانقسام، بينما الحقيقة أن داخل كل دين وتيار تنوعًا فكريّا، وسياسيّا واسعًا، وفيه أصوات تدعو للسلام، والعدالة، وكرامة الإنسان.كما أن الخطاب الذي يربط السياسة بالنبوءات الدينية بشكل مباشر قد يدفع المجتمعات نحو الخوف، والتعبئة العاطفية بدل التفكير النقدي والعقلاني، ويجعل الإنسان العادي يشعر بأن الصراع قدَرٌ محتوم لا يمكن تغييره، بينما التاريخ يثبت أن الوعي، والتعليم، والعدالة، والحوار، هي الأدوات الحقيقية لبناء الاستقرار.
⁃وكتب الباشا صايل العمري:
لا مانع من أن يتعلق الجميع بنبوءات صحّت، وصدَقت . . أو أنها لم تحمل أي قدر من الصدقية . . والعاقل من لا يتعلق بسراب، ولا ينحو نحو خيال، ولا يغلق قبضته على ماء لن يصل منه إلى فمه، ولو قطرة واحدة. وكما يبدو من دون أدنى شك أن كلا المتحاربَين، المتضادَّين، المتنازعَين يرى في أطروحته الهدى، وتحقيق النصر الذي يكاد يلمسه، ولا يعلم زمانه تحديدا. مع أن التساؤل الذي يبقى قائما هو: أي الفريقين أولى بالنصر {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
إن التطرف مهما كان مصدره، دين أم سياسة، أم غير ذلك مرفوض، ومنبوذ هو وأصحابه، والخير والعدل هما أساس القيم الإنسانية التي يجب أن تسود حياتنا، وتنتظر مستقبلنا.












