2026-08-11 - الثلاثاء
banner
كتّاب جهينة
banner

قراءةُ المشهد … العلاقة بين الحكومة والنواب

{clean_title}
جهينة نيوز -

بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة

حين يلتقي القرارُ بالرقابة في رحاب المصلحة الوطنية
تُقرأ العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب في صورتها الأعمق بوصفها واحدةً من أهم مساحات العمل الوطني؛ فهي ليست مجرد تفاعلٍ بين مؤسستين، وإنما حوارٌ دائم بين مسؤولية القرار وضمير التمثيل، بين من يحمل أعباء التنفيذ، ومن يحمل أمانة التعبير عن تطلعات المجتمع.
وفي الدول التي تنضج فيها التجربة السياسية، لا يكون الاختلاف بين الحكومة والنواب نقيضًا للتعاون، بل أحد وجوهه الراقية؛ إذ إن تعدد الرؤى يثري القرار، وتنوع المقاربات يفتح أمام الدولة أبوابًا أوسع للنظر والتقدير.
فالحكومة تقرأ الواقع من موقع المسؤولية التنفيذية، بما يحمله ذلك من حساباتٍ اقتصادية واجتماعية ووطنية، بينما يقرأ النائب المشهد من موقع التمثيل الشعبي، مستندًا إلى ما يسمعه من الناس، وما يلمسه من احتياجاتهم، وما يراه من تطلعاتهم إلى حاضرٍ أكثر استقرارًا ومستقبلٍ أكثر ازدهارًا.
وبين هذين الدورين تتشكل مساحةٌ ثمينة للحوار الوطني.
إن قيمة العلاقة بين السلطتين لا تكمن في تطابق الرؤى، وإنما في القدرة على إدارة التنوع بروحٍ وطنية، وتحويل تعدد وجهات النظر إلى قوةٍ تصنع القرار الأكثر اتزانًا.
فالحكومة حين تستمع إلى صوت النواب، لا تستمع إلى أصواتٍ متفرقة فحسب، وإنما تقترب أكثر من نبض المجتمع وتفاصيل حياته اليومية. والنواب حين يطلعون على حيثيات القرار الحكومي وتحدياته، يصبحون أكثر قدرةً على قراءة الصورة الكاملة، وأكثر اقترابًا من صناعة تشريعاتٍ تستجيب للواقع وتستشرف المستقبل.
وهنا يصبح الحوار السياسي قيمةً بحد ذاته.
فالرقابة النيابية ليست مسافةً بين المؤسسات، وإنما جسرٌ يعزز جودة الأداء، والتشريع ليس إجراءً قانونيًا مجردًا، بل أحد أهم الأدوات التي تُترجم من خلالها تطلعات المجتمع إلى سياساتٍ وقواعد تنظم الحياة العامة.
ومن أجمل صور النضج السياسي أن تكون الكلمة تحت القبة امتدادًا للمسؤولية، وأن يكون القرار الحكومي امتدادًا للحرص على الإنسان والوطن.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى لغةٍ سياسية جديدة؛ لغةٍ لا تُكثر من المسافات بين المؤسسات، وإنما تبحث عن المساحات المشتركة، ولا تجعل من الاختلاف غاية، بل تجعله وسيلةً للوصول إلى رؤيةٍ أكثر شمولًا واتزانًا.
فالدولة التي تتسع فيها مساحة الحوار، تتسع فيها مساحة الثقة.
والحكومة التي تجد أمامها مجلسًا نيابيًا فاعلًا، تمتلك شريكًا مؤسسيًا يساعدها على اختبار الأفكار قبل تحويلها إلى سياسات. ومجلس النواب الذي يجد حكومةً تستمع وتوضح وتناقش، يجد أمامه مساحةً أوسع لممارسة دوره بروحٍ مسؤولة وبصيرةٍ وطنية.
وفي نهاية المطاف، ليست المسألة أن تتقدم مؤسسةٌ على أخرى، وإنما أن تتقدم الدولة.
فكل موقفٍ حكومي رصين، وكل سؤالٍ نيابي واعٍ، وكل تشريعٍ متزن، وكل حوارٍ هادئ، يصب في النهر ذاته: نهر الدولة التي تتقدم حين تتكامل أدوار مؤسساتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في هذه العلاقة أن الحكومة والنواب، وإن اختلفت مواقعهم وأدواتهم، يجتمعون عند غايةٍ واحدة؛ خدمة الوطن وصون مصالحه وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساته.
وهنا تكمن الحكمة السياسية:
أن نختلف في الوسائل دون أن نختلف في الغاية، وأن تتعدد الرؤى دون أن تتعدد وجهة الوطن.
فحين يلتقي القرار الحكومي بالبصيرة النيابية، ويجتمع التشريع مع الخبرة التنفيذية، يصبح الحوار أكثر من نقاشٍ سياسي؛ يصبح أحد وجوه البناء الوطني.
إن قوة المؤسسات لا تظهر حين تتشابه أصواتها، بل حين تتكامل أدوارها، وتختلف رؤاها في إطارٍ من الاحترام، ثم تلتقي عند ما هو أوسع من الجميع: مصلحة الوطن
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير