"الخوري منا"... حكاية الباشا سلامة المعايطة وأهل أدر
جهينة نيوز -د. أيوب أبودية
من ذاكرة الكرك إلى ذاكرة الأردن: الأخوة الإسلامية المسيحية التي لم تصنعها الشعارات، بل الأفعال، وفي تاريخ الشعوب حكايات صغيرة في ظاهرها، عظيمة في دلالاتها، تختصر من القيم الإنسانية والاجتماعية ما قد تعجز عن التعبير عنه مجلدات من الكتب والخطب. وبعض هذه الحكايات لا نجده في سجلات الحكومات أو الوثائق الرسمية، بل في ذاكرة الناس، وفي روايات الآباء والأجداد، وفي كلمات عفوية قيلت في لحظة صادقة، ثم تناقلتها الأجيال حتى أصبحت جزءاً من الوجدان الجمعي وسردية المجتمع التي تسعى الدولة اليوم إلى توثيقه.
ومن هذه الحكايات الأردنية التي تستحق أن تروى وتحفظ، حكاية الباشا سلامة المعايطة في الكرك، وعلاقته بأهل بعشائر أدر المسيحية من البقاعين والحجازين والمدانات والحوراني وغيرهم، وما ارتبط بها من مقولة أصبحت مثلاً يختصر طبيعة العلاقة التاريخية بين العشيرتين: "الخوري منا".
إنها ليست مجرد عبارة عابرة، بل تعبير عن فلسفة اجتماعية عميقة، مفادها أن الجار الأصيل في الوطن ليس غريباً، وأن اختلاف الدين لا يلغي وحدة الأرض والدم والتاريخ والمصير، وأن الانتماء إلى المجتمع المحلي أسبق من كل تصنيف ضيق مذهبي يفرق بين أبنائه.
الكرك مدينة أخوة بين العشائر أقدم بكثير من الدولة الحديثة، فليس التلاحم الإسلامي المسيحي في الكرك ظاهرة حديثة، ولم يبدأ مع تأسيس الدولة الأردنية أو مع ظهور مفاهيم المواطنة المعاصرة؛ إنه امتداد لتاريخ طويل تعاقبت فيه الحضارات والأديان، وعاشت فيه الجماعات الدينية المختلفة ضمن نسيج اجتماعي واحد.
فقد كانت الأردن منذ العصور البيزنطية مركزاً دينياً مهماً، احتضن مئات الكنائس المسيحية القديمة. وتشير الروايات التاريخية إلى امتداد الوجود المسيحي في المنطقة إلى قرون سحيقة، ولعل من الشواهد اللافتة على ذلك ما سجله الرحالة السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت خلال زيارته للكرك عام 1812، إذ قدر عدد الأسر المسلمة بنحو أربعمائة أسرة، والأسر المسيحية بنحو مائة وخمسين أسرة، وهي نسبة قريبة من حال مدينة السلط آنذاك. كما أشار إلى وجود عشائر مسيحية متعددة، من بينها الهلسا وغيرها من العشائر التي كانت تشكل جزءاً من البنية الاجتماعية للمدينة.
ولم تكن هذه الجماعات تعيش في جزر منفصلة، بل كانت تشترك في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وتربطها أعراف العشيرة والجيرة والحماية المتبادلة. وفي هذا السياق، يمكن فهم العلاقة التاريخية بين المعايطة والبقاعين، وبين عشائر الكرك عموماً، باعتبارها علاقة تجاوزت حدود الاختلاف الديني إلى وحدة الحال والجيرة والمصير.
والرواية التي حدثني عنها المهندس محمد المعايطة، حفيد الباشا سلامة المعايطة، هي أن بطريرك القدس زار منطقة أدر في الكرك عام 1929، في سياق الاهتمام بوضع حجر الأساس لكنيسة البقاعين لخدمة أبناء الطائفة المسيحية في المنطقة. وكان الباشا سلامة المعايطة، بما يمثله من مكانة عشائرية واجتماعية، في مقدمة مستقبليه، شأنه شأن كبار وجهاء الكرك الذين كانت لهم مكانة مرموقة في المجتمع المحلي.
وتذكر الرواية أن الباشا استقبل البطريرك وأكرم وفادته بعد أن كان قد تبرع بقطعة أرض لإقامة الكنيسة، في موقف يعكس روح المسؤولية تجاه الجيران وأبناء البلد، ويؤكد أن بناء مكان للعبادة لم يكن بالنسبة إليه شأناً يخص طائفة دون أخرى، بل جزءاً من واجب اجتماعي وإنساني تجاه أهل المنطقة. لكن أجمل ما في الحكاية لم يكن التبرع بالأرض وحده. فقد همس الباشا في أذن البطريرك قائلاً: "الخوري منا"
وهنا نشأت الحكاية التي تناقلتها الأجيال، وأسيء فهمها أحياناً.
فقد اعتقد بعض من سمعوا العبارة أن الباشا كان يريد أن يكون كاهن الكنيسة من عشيرة المعايطة نفسها، وهو أمر بدا لهم مستغرباً، باعتبار أن المعايطة مسلمون، وأن الخوري رجل دين مسيحي. لكن المهندس محمد المعايطة أوضح لي المعنى الذي قصده جده، وهو أن الباشا لم يكن يطلب أن يكون الخوري من عشيرته بالمعنى الحرفي، وإنما كان يؤكد للبطريرك أن يكون الكاهن من أبناء المنطقة وأهل البلد، لا أن يأتي من خارجها، كما كانت العادة في بعض البعثات الكنسية التي كانت تستقدم رجال دين أجانب، ومنهم كهنة أوروبيون وإيطاليون.
كان يريد أن يقول له ببساطة: نحن نريد كاهنا من ديرتنا، يعرف لغتنا وعاداتنا وتقاليدنا، ويعيش بيننا، ويشاركنا أفراحنا وأحزاننا، ولا نريد أن يكون رجل الدين غريباً عن مجتمعنا. وتقول الرواية إن البطريرك فهم المقصود مباشرة، وأومأ برأسه موافقاً، وانتهى الأمر بما ينسجم مع رغبة الباشا.
وهكذا تحولت عبارة «الخوري منا» إلى تعبير عن انتماء أوسع من حدود العشيرة والدين، انتماء إلى المكان والناس والذاكرة المشتركة.
إن جوهر هذه الحكاية لا يتعلق فقط بمن يتولى خدمة الكنيسة، بل بفكرة أعمق: أن الإنسان الذي يعيش بيننا ويشاركنا الأرض واللغة والعادات والتقاليد هو منا، حتى وإن اختلفت عقيدته الدينية معنا. وهذا الفهم يعكس طبيعة المجتمع الأردني التقليدي، حيث لم يكن الانتماء الديني بالضرورة حاجزاً أمام الانتماء الاجتماعي والعشائري والوطني.
وقد أشار الباحث باولو ماغيوليني في دراسته المنشورة عام 2013 عن النشاطات الكاثوليكية والبروتستانتية في الكرك خلال منتصف القرن التاسع عشر إلى أهمية العلاقة بين البعثات الدينية الغربية والعشائر المحلية، وكيف تشكلت من خلالها علاقات اجتماعية وثقافية وسياسية متبادلة. وهذا يؤكد أهمية فكرة وجود رجل دين محلي يعرف المجتمع الذي يخدمه، رغم أن بعض الكهنة الطليان مثل "الأب ألدو" ما زال يذكره الجميع بالخير، وأحبوه كما أحبهم إلى درجة أنه بعد تقاعده اختار أدر ليسكن فيها ما تبقى من عمره.
إذن «الخوري منا» تعكس وحدة التاريخ واللغة والجيرة. فإن ما يجمع المعايطة بعشائر الكرك المسيحية لا يمكن اختزاله في حكاية التبرع بأرض لبناء كنيسة، مهما كانت هذه الحكاية جميلة. فإننا نتحدث عن تاريخ مشترك، وعن جيرة ممتدة، وعن لغة واحدة، وعن ثقافة اجتماعية متقاربة، وعن ذاكرة تتداخل فيها حكايات العائلات والعشائر.
ومن هنا يمكن فهم المقولة الشعبية «الخوري منا»، باعتبارها تعبيراً عن علاقة تتجاوز التسامح أو التعايش بالمعنى التقليدي للكلمة الذي يرفض المهندس محمد المعايطة القبول به، وأوافقه في ذلك تماما. فالتسامح والتعايش يفترضا أحياناً وجود طرفين مختلفين يقبل أحدهما الآخر، أما ما تعبر عنه هذه الحكاية فهو شيء أعمق بكثير: الشعور بأن الآخر ليس غريباً أصلاً حتى نحتاج إلى التسامح أو التعايش معه. إنه منا، ونحن منه، من أهل البلد، ومن تاريخنا نفسه، ومن ذاكرتنا الجمعية الواحدة.
ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن نستخلصها من هذه الرواية. فمن الكرك الى باقي مدن الاردن وقراها هي ذاكرة المشرق العربي المشتركة، وهذه الروح ليست حكراً على الأردن، فهناك روايات مشابهة في فلسطين كما رواها الأديب الراحل سميح مسعود في ثلاثيته الشهيرة عن حيفا- برقة، وكذلك في سوريا ولبنان والعراق، حيث ارتبطت العائلات والعشائر المسلمة والمسيحية بروابط الجيرة والمصاهرة والحماية والتحالفات الاجتماعية.
وقد عرفت المجتمعات المشرقية تقاليد عريقة في استقبال رجال الدين والضيوف، وفي حماية الكنائس والأديرة والأوقاف، منذ زمن الخليفة عمر بن الخطاب، كما عرفت مشاركة أبناء الطوائف المختلفة في المناسبات الاجتماعية والوطنية. لكن حكاية "الخوري منا"، بما أنها وقعت في بيئتنا الأردنية، وفي قلب قرى الكرك تحديدا، تستحق أن نتوقف عندها أكثر، وأن نعيد إحياءها بوصفها جزءاً من تاريخنا الوطني. فالأردن لم يكن يوماً مجرد مساحة جغرافية جمعت مسلمين ومسيحيين، بل كان مجتمعاً تشكل عبر قرون من التفاعل والتبادل والتعاون بين العرب والكرد والترك والشركس والشيشان والأرمن والدروز وغيرهم.
وقد ساهم الأردنيون المسيحيون في بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها التعليمية والثقافية والاقتصادية والسياسية، مثلما ساهم المسلمون، وكانوا شركاء في صناعة الهوية الأردنية. وليس من المصادفة أن تكون الكرك من أبرز الأمثلة على هذا التداخل والاندماج التاريخي والاجتماعي التي اكتسبت أهمية وطنية إضافية في أعقاب الاعتداء الإرهابي الذي شهدته كنيسة الشهداء في حمود، والذي أسفر عن استشهاد تسعة مواطنين فاضلين، في جريمة هزت الأردن كله، والتي سوف تُحفر في الذاكرة إلى الأبد.
لقد كان المشهد الذي أعقب الجريمة النكراء، حالها حال جرائم الاعتداء على الشهيد جواد السلايطة بعدها، وقبلها الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، والشهيد سائد المعايطة ورفاقه، من تضامن العشائر الأردنية وتكاتفها في استقبال المعزين والوقوف إلى جانب أهل الشهداء، دليلاً على أن الروابط التاريخية ما زالت حية تنبض بالكرامة والرجولة.
إن حكاية الباشا سلامة المعايطة وأهل أدر وحمود والسماكية ليست حكاية من الماضي انتهى دورها، بل رسالة إلى الحاضر والمستقبل. ولعل أصدق طريقة لتكريم شهداء كنيسة حمود، وشهداء الكرك الذين سبقوهم، والشهيد السلايطة الذي لحقهم في ركب الشهداء: أن نحافظ على الإرث الذي عاشوا في ظله، وأن نورثه للأجيال القادمة، فلا نسمح للرصاصة التي قتلت أجساداً طاهرة أن تقتل أيضاً ذاكرة الأخوة التي جمعت الأردنيين عبر القرون.
فالخوري منا... وجميع الأردنيين من كافة الأصول والمنابت منا... والأردن يجمعنا تحت ظل الراية الهاشمية.












