2026-11-04 - الأربعاء
banner
كتّاب جهينة
banner

خطاب الملك من فقه الدولة الى مفهوم الأسرة

{clean_title}
جهينة نيوز -
بهدوء
عمر كلاب
من شهداء الكرك إلى معيشة الأردنيين، ومن دور البرلمان إلى أمن المياه وسيادة القانون, خريطة أولويات تضع تماسك الدولة وفاعلية مؤسساتها في قلب المرحلة, ففي النهاية، لا تُقاس قوة الجبهة الداخلية بما تقوله الدولة عن تماسكها فقط، بل بمدى قدرة مؤسساتها على إنتاج الثقة، وصون الحقوق، وتحسين حياة الناس, هذه خلاصة ما قاله الملك في خطاب العرش الاثنين الماضي, واضعا الحدود والفواصل لامن الاردن وامانه, على المستوى الوطني والاقليمي.
فجرائم الابادة في غزة وتهويد الضفة وتغيير الواقع في القدس, خطر على امن الاردن, كما هو العبث بالامن المائي اومحاولة العبث الاسرائيلي به, ولعل هذه اخطر رسالة ملكية, الى اليمين الصهيوني بمختلف تلاوينه, سواء يمين ايزنكوت او يمين وتطرف نتنياهو, ولا اظن التركيز على الامن المائي كان محصورا بالمشاريع الكبرى التي شرفت على الانتهاء من اغلاقها المالي وقاربت على سماع صوت الالات الثقيلة, بل هي رسالة ضمنية قوية لاسرائيل على اختلاف تلاوينها السياسية.
لنبقى اذن في المشهد الوطني, ولعلي بحكم يساريتي المزمنة, اقول منذ كتاب انجلز عن اصل العائلة والمُلكية, والذي اختصر فكرته " ان تحوّل العائلة والملكية والدولة ليس منفصلًا عن تطور الاقتصاد وعلاقات الإنتاج؛ فالمؤسسات الاجتماعية والسياسية تتشكل تاريخيًا، ولا تبقى على صورة واحدة ", لم اسمع فقها عن الاسرة وعلاقتها بالدولة, كما سمعته الاثنين من الملك في خطابه, وهو يخاطب الاسرة بفقه الدولة, ويعلنها اصلا للدولة, فالواقع المعاشي باركانه التي ذكرها الملك, هي جذر العلاقة واساسها, وحماية الفكر والتعبير جدارها الحامي.
لم يكن خطاب الملك منصرفًا إلى الأمن بمعناه الضيق، ولا إلى التنمية بمعناها الاقتصادي المجرد, لقد جمع بينهما، ووضع إلى جانبهما المؤسسات والقانون والمواطنة, وهذه هي الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها: إن الدولة القوية ليست فقط الدولة التي تمنع الاعتداء عليها، بل الدولة التي تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء من مشروعها، وأن مصالحهم حاضرة في قراراتها، وأن مؤسساتها تسمعهم وتحاسب المسؤول وتتيح لهم الاختلاف.
فمن شهداء الكرك، إلى البرلمان، إلى فرص العمل والتعليم والعلاج، إلى المياه، ثم إلى الوظيفة العامة وحق الرأي؛ يمتد خيط واحد في الخطاب: حماية الأردن لا تنفصل عن بناء دولة يشعر الأردني بأنها تعمل من أجله، ويشارك هو في حمايتها وصناعة مستقبلها, ويبقى الاختبار الأهم في ما بعد الخطاب: هل تستطيع الحكومة أن تسرّع الإنجاز؟ وهل يمارس البرلمان دوره الرقابي كما تقتضي مسؤوليته؟ وهل تتحول أولوية المياه إلى برامج استباقية قابلة للمتابعة؟ وهل تصبح سيادة القانون معيارًا يوميًا لا عبارة عامة؟
وأرى أن عبارة الملك «كرامة الكلمة وأدب الاختلاف» تستحق أن نتوقف عندها, لأنها ليست مجرد خاتمة بلاغية للخطاب، بل تحمل تصورًا لطبيعة الحياة السياسية والاجتماعية التي يريدها الخطاب في الأردن, ثمة دلالة مهمة في أن تأتي هذه العبارة بعد قوله إن تداول الشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وإن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول, فهو يربط بين ثلاثة أمور: حق التعبير، ومسؤولية الكلمة، وأخلاق الاختلاف, وتعبير «أدب الاختلاف» ينقل الاختلاف من دائرة الشبهة إلى دائرة المشروعية. فليس مطلوبًا من الأردنيين أن يتطابقوا في آرائهم ومواقفهم حتى يكونوا منتمين إلى وطن واحد.
وهنا تكتسب العبارة أهميتها في سياق الخطاب الذي بدأ بالحديث عن الإرهاب والاعتداء على أمن الوطن ووحدته, فالملك يضع تمييزًا بين من يهدد المجتمع بالعنف، ومن يختلف معه بالرأي, الأول يعتدي على الوطن، أما الثاني فيمارس حقًا دستوريًا ومجتمعيًا, وهذه رسالة للجميع سلطة واحزابا ومجتمعا, وعلينا التقاطها والعمل بها.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير