banner
أخبار محلية
banner

لماذا الكرك؟؟؟

{clean_title}
جهينة نيوز -

من "قلعة صلاح الدين" الى "كنيسة حمود"


مبيضين: حضور الملك باللباس العسكري رسالة تعكس موقف الدولة بمواجهة التحديات

بدر: الارهاب لن يستطيع تمزيق النسيج الوطني المتين

فراعنة: الكرك تتميز بعلاقات متينة بين المسلمين والمسيحيين

الكيلاني: استهداف المواطنين المسيحيين يمس الدين والوطن والوحدة الوطنية

عربيات: الإسلام بريء من جرائم الإرهابيين

الانباط-آية شرف الدين

من قلعة صلاح الدين إلى كنيسة حمود، يبدو أن الإرهاب يعود إلى نفس المكان ليجرب نفس الأداة: كسر النموذج الأردني.

في 18 كانون أول 2016، اختارت خلية تابعة لتنظيم داعش الارهابي مدينة الكرك مسرحاً لهجومها. بدأ من بيت مفخخ في القطرانة، ثم إطلاق نار على دورية ومركز أمن المدينة، وانتهى بتحصن أربعة مسلحين داخل قلعة الكرك الأثرية واحتجاز سياح. حصيلة ذلك اليوم كانت 10 شهداء بينهم 7 من الأمن والدرك وسائحة ومواطنان، و34 مصاباً، قبل أن تتبنى "داعش" الهجوم.

بالأمس، الجمعة 23 تشرين أول ٢٠٢٦، عاد المشهد بسيناريو أكثر دموية ورمزية. ثلاثة مسلحين ترجلوا من مركبة وفتحوا النار لخمس دقائق متواصلة، ليس على مركز أمني، بل على كنيسة الروم الأرثوذكس في حمود - قرية عشائر الهلسة إحدى أكبر العشائر المسيحية في المحافظة أثناء تشييع جنازة.. وكان داخل الكنيسة وحولها ما بين 150 إلى 200 شخص.. لينقلب العزاء بفقيد واحد إلى مأتم جماعي. الحصيلة حتى اليوم ٩ شهداء و40 مصاباً بينهم حالات حرجة، وما زالت الأجهزة الأمنية تطارد المنفذين.

لماذا الكرك إذاً؟

لأن الكرك ليست مجرد محافظة على بعد 118 كم جنوب عمان. بل هي رمز تاريخي وعسكري، وقلعة منيعة عمرها 8000 عام.. وهي نموذج للتعايش، مسلمون ومسيحيون من عشائر متجذرة يشكلون نسيجاً واحداً.. وهي خزان للجيش والأمن، أبناءها شهداء القطرانة والقلعة عام 2016 هم من الدرك والأمن العام، وابنها الشهيد الطيار معاذ الكساسبة.. ليكون بذلك من أمر ونفذ الهجوم الارهابي قد سعى لضرب عدة ركائز للنموذج الأردني في آن واحد: هيبة الدولة، والعيش المشترك، والولاء للدولة وخصوصية الكرك وموقفها المعروف من القضية الفلسطينية والقضايا العربية .

ما جرى في قلعة الكرك كان محاولة لإعلان وجود "داعش" في الجنوب، وما جرى أمس في كنيسة حمود - كما وصفه الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء جعفر حسان - هو "نتيجة الفكر التكفيري الإرهابي والتطرف الأعمى" ومحاولة لـ"شق صف الأردنيين".. تغيرت الأداة من قلعة إلى كنيسة، ومن استهداف رجل أمن إلى استهداف مصلٍ في جنازة، لكن الهدف واحد: القول إن حتى أكثر المدن تماسكاً يمكن اختراقها، وأن حتى أكثر البيوت أماناً - بيت العزاء والكنيسة - لم تعد آمنة.. ولذلك، كان الرد من نفس المكان: كما وقف الكركيون عام 2016 مع جيشهم، وقفوا أمس مسلمين ومسيحيين في الصويفية وفي أماكن أخرى يشعلون الشموع ويهتفون "دم الأردني غالي.. وسنضرب بيد من حديد".

مواجهة التحديات وثقة مطلقة بالأمن والجيش

أكد وزير الداخلية السابق سمير مبيضين أن الأحداث التي شهدتها محافظة الكرك تمثل حادثا إرهابيا خطيرا يستهدف أمن الأردن واستقراره وثوابته الوطنية ونسيجه الاجتماعي، مشددا على ثقته بقدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة المتورطين ومحاسبتهم والتصدي للفكر المتطرف.

وقال مبيضين في حديثه لوسائل إعلامية: إنه يترحم على أبناء عمومته الذين طالتهم يد الغدر في منطقة حمود متمنيا الشفاء العاجل للمصابين، ومعربا عن تعازيه لأهالي الضحايا، ومؤكدا ثقته بالأجهزة الأمنية وقدرتها على التعامل مع تداعيات الحادث.

وأضاف أن ما شهدته الكرك يمثل اعتداء على الدولة بأكملها وليس على فئة بعينها، موضحا أن الجماعات المتطرفة تستهدف أمن المملكة وثوابتها الوطنية ووحدة نسيجها الاجتماعي، مستذكرا حوادث إرهابية سابقة شهدتها مناطق مختلفة، من بينها الكرك والسلط والبقعة وإربد.

وأشار إلى أن استهداف المواطنين وأفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من مختلف مكونات المجتمع الأردني، مؤكدا أن أهداف التنظيمات الإرهابية تتجاوز استهداف فئة أو جماعة بعينها لتطال الدولة وأمنها واستقرارها ونهجها القائم على الاعتدال والوسطية.

ولفت أن الأردن بقيادته الهاشمية يمتلك القدرة على تجاوز التحديات ومواجهة التهديدات، مشيرا إلى أن حضور جلالة الملك باللباس العسكري يحمل رسالة واضحة تعكس موقف الدولة في مواجهة التحديات والحرص على حماية أمن الوطن واستقراره.

وأضاف أن المملكة واجهت على مدار تاريخها تحديات متعددة، وخرجت منها أكثر قوة وصلابة، على الرغم ما تحملته من تبعات نتيجة مواقفها القومية والوطنية ونهجها المعتدل.

وقال مبيضين: أطمئن الجميع، بصفتي وزير داخلية سابقا وجزء من منظومة الدولة التي أعتز بها أن الأردن سيبقى بإذن الله قويا منيعا شامخا بقيادة جلالة الملك ومن خلفه سمو ولي العهد.

وشدد على أن مواجهة الإرهاب والتطرف لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب تكاتف مختلف مكونات المجتمع بدءا من الأسرة والمدرسة والجامعة، وصولا إلى المؤسسات الإعلامية والتربوية والكتاب والصحفيين، داعيا إلى تعزيز الوعي الوطني والتصدي للأفكار المتطرفة التي تهدد أمن المجتمع وتماسكه.

وبين أن ما يتعرض له الأردن يمثل حربا فكرية وأيديولوجية تستهدف الدولة ومجتمعها الأمر الذي يستدعي عملا وطنيا شاملا ومستمرا بعيدا عن ردود الفعل المؤقتة، وبما يسهم في تجفيف منابع التطرف وتعزيز ثقافة الاعتدال والتسامح.

ومن هذا المنطلق وجه مبيضين رسالة إلى أبناء محافظة الكرك شدد فيها على أهمية مواصلة التحلي بالوعي الوطني والتمسك بقيم الولاء والانتماء، مشيدا بما أظهره الأردنيون من تلاحم وتكاتف في مختلف المناطق وفي المساجد والكنائس، بما يعكس عمق الروابط التي تجمع أبناء المجتمع الأردني.

ولفت إلى أن الوحدة الوطنية تمثل أحد الثوابت الأساسية للدولة الأردنية، وركيزة في الحفاظ على تماسك المجتمع واستقراره، داعيا الى الالتفاف حول القيادة الهاشمية والأجهزة الأمنية، وتعزيز روح المسؤولية المشتركة في مواجهة الإرهاب وصون أمن الأردن ووحدته.


كرك المجد والتاريخ والعيش المشترك أقوى من الإرهاب

أشار الأب رفعت بدر مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام أن الإرهابيين اختاروا مدينة الكرك التاريخية كرك المجد والعزّة والكرامة، والكرك العيش المشترك والأخوة بين المسلمين والمسيحيين منذ أقدم العصور. واختاروا قرية وادعة من قراها، هي قرية حمود، لتنفيذ جريمتهم الإرهابية التي هزّت ضمير الوطن وأوجعت قلوب الأردنيين جميعا.

وبين بدر أن الكرك لم تكن يوما مدينة عادية في تاريخ الأردن، فقد قدمت العديد من رجالات الوطن الذين خدموا الدولة الأردنية في أرفع المواقع والمسؤوليات الوطنية، كما قدمت الشهداء في الحروب التي خاضها الأردن دفاعا عن فلسطين وقدمت أيضا شهداء سقطوا ضحايا للإرهاب قبل سنوات عند قلعتها التاريخية الحصينة.

ولفت أنه ليس غريبا على الكرك إذن أن تقدم الشهداء، فهي مدينة التضحية والوفاء ولكن المستهجن والمدان هذه المرة أن الإرهابيين اختاروا الكنيسة، بيت الصلاة والسلام، واختاروا لحظة الجنازة وهي من أصدق وأنبل اللحظات الإنسانية والروحية، حين يجتمع الأهل والأحبة لتوديع عزيز عليهم، وتقديم العزاء والمواساة.. لقد اعتدوا بذلك، ليس على أرواح بريئة فحسب، بل على قدسية المكان، وحرمة الموت، وكرامة الإنسان، وأسمى مشاعر التضامن بين أبناء المجتمع الواحد.

وأكد بدر إننا ننظر إلى الكرك بوصفها صورة مصغرة عن الأردن الكبير، الذي يحتضن جميع أبنائه دون استثناء أو تمييز، ويحترم تنوعهم الديني والثقافي، فلا يحول الاختلاف إلى خلاف، بل يجعله مصدر غنى وقوة ووحدة وطنية.

وأشار بدر للأنباط أن تماسكنا الوطني والتفافنا حول القيادة الهاشمية، ليس أمرا ثانويا أو قابلا للتراجع، مشيرا أنه من ثوابت الدولة وركائز منعتها.. واليوم في مواجهة هذا المصاب الجلل تتوحد الأسرة الأردنية وتتضامن أكثر فأكثر خلف جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمير الحسين.

وذكر بالأمس رأينا الحزن والتأثر على وجه جلالة الملك ولكننا رأينا أيضا التصميم على مواصلة مسيرة الإصلاح والتحديث وتعزيز الإخاء الوطني وترسيخ نهج الاعتدال والوسطية والحوار، الذي يدعو إليه الأردن ويقدمه نموذجا حضاريا حظي بالإعجاب والتقدير في مختلف أنحاء العالم.

ولا بد من الاشارة ان عزاؤنا أولا في المنعة الأردنية والوحدة الوطنية الراسخة وفي التفاف أبناء الوطن مسلمين ومسيحيين حول قيادتهم الهاشمية وفي إيمانهم بأن الإرهاب، مؤكدا أنه لن يستطيع تمزيق النسيج الوطني المتين الذي نسجته أجيال من المحبة والتضحية والمواطنة الصادقة.

وأضاف أن عزاؤنا ثانيا في كفاءة أجهزتنا الأمنية ويقظتها وثقتنا بقدرتها على كشف الحقائق وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة وصون أمن الوطن وكرامة المواطنين، كي يبقى الأردن واحة أمن واستقرار في منطقة تعصف بها التحديات.

وعزاؤنا ثالثا في هذا التضامن الواسع مع الأردن من مختلف أنحاء العالم وفي رسائل التعزية والشجب والاستنكار التي صدرت عن قيادات سياسية ودينية عديدة.

وأخص بالذكر تقدير خاص مواقف المؤسسات والمرجعيات الإسلامية من دائرة الإفتاء العام ودائرة قاضي القضاة ووزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، إلى فضيلة شيخ الأزهر الشريف وكذلك مراكز الحوار الإسلامية والمسيحية والدولية، التي تنظر إلى الأردن باعتباره نموذجا رائدا في العيش المشترك والحوار والمودّة بين المسلمين والمسيحيين.

وتأسيسا على ذلك أشار بدر أن هذه الجريمة مهما بلغت بشاعتها، لن تغير وجه الكرك، ولن تشوه صورة الأردن ولن تنال من رسالة بلد آمن بأن الآخر المختلف دينيا ليس غريبا ولا خصما، بل هو شريك حضاري وشريك في المواطنة وشريك في بناء الحاضر والمستقبل.

وتابع إذا كان الإرهابيون قد اختاروا الكنيسة والجنازة لبث الخوف والحزن، فإن جواب الأردنيين هو المزيد من المحبة والتضامن والمزيد من التمسك بوحدتهم الوطنية والمزيد من الإصرار على حماية الأردن من كل فكر متطرف أو خطاب كراهية أو محاولة لإثارة الفتنة.

ودعا بدر في سياق حديثه ان يحفظ الله الأردن قيادة هاشمية وجلالة ملك وسمو ولي عهده وجيشا وأمنا وشعبا، وترابا وماء مقدسا.

رحم الله أرواح الشهداء الأبرار، وشفى الجرحى والمصابين، وأنعم على عائلات الضحايا وعلى الأسرة الأردنية الواحدة بالصبر والعزاء والرجاء، وبالعزيمة المتجددة على أن يبقى الأردن نقيا من أفكار التطرف والإرهاب، قويا بوحدته، عزيزا بقيادته، غنيا بتنوعه، وفيا لرسالته الإنسانية والحضارية.

أثر "حمود" في الحياة الفكرية والسياسية

شمن زاوية أخرى قال المحلل السياسي حمادة فراعنة في حديثه عن اختيار مدينة الكرك إن مدينة الكرك لتنفيذ الحادثة قد يرتبط وفق تقديره ببعدها عن العاصمة ومراكز الأمن المركزي، ذلك الأمر الذي قد يدفع الجماعات المتطرفة إلى الاعتقاد بأن تنفيذ عملياتها فيها أسهل، إلى جانب استغلال وجود مراسم جنازة داخل كنيسة لتنفيذ الهجوم خلال تجمع مدني.

وأضاف أنه لابد من الجدير بالذكر أن الكرك سبق أن شهدت حادثة أمنية عام 2016 في قلعتها، معتبرا أن استهداف المحافظات الجنوبية البعيدة عن العاصمة قد يكون ضمن حسابات الجهات التي تخطط لتنفيذ أعمال إرهابية.

وأشار إلى أن وجود المسيحيين في موقع الحادثة وطبيعة المناسبة التي وقعت خلالها، يثيران تساؤلات بشأن احتمال استهدافهم بهدف إحداث صدمة مجتمعية واسعة وإثارة التوتر بين مكونات المجتمع الأردني.

وفي حديثه عن دلالات استهداف قرية حمود، أشار فراعنة إلى ما أنجبته القرية من شخصيات أكاديمية وفكرية ووطنية بارزة، لافتا إلى أن من بين الشهداء أطباء وأكاديميين وأصحاب مهن وهو ما يعكس بحسب وصفه طبيعة الشخصيات التي فقدها المجتمع في الحادثة.

وخلال حديثه استذكر فراعنة الكاتب الأردني الكبير غالب هلسا، الذي ارتبط اسمه بالمشهد الثقافي والفكري الأردني، كما أشار أيضا إلى مروان القسوس الذي قال إنه شغل موقعا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني، معتبرا أن هذه الأسماء وغيرها تعكس الأثر الذي تركته قرية حمود في الحياة الوطنية والفكرية.

من هذا المنطلق أكد فراعنة أن الكرك تتميز بعلاقات تاريخية متينة بين المسلمين والمسيحيين، وبحالة من التداخل الاجتماعي الذي يصعب معه الفصل بين أبناء المدينة على أساس ديني، موضحا أن هذه الخصوصية تجعل استهدافها ذا دلالات تتجاوز حدود الحادثة ذاتها.

وأوضح أن الهدف وفق تحليله، قد يتمثل في المساس بالأمن الوطني الأردني والوحدة الوطنية ومحاولة إحداث شرخ في العلاقات بين مكونات المجتمع، بما يفتح المجال أمام التوترات والانقسامات الداخلية.

وفي سياق حديثه أشار فراعنة إلى أن تجارب عدد من الدول العربية بينها العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن أظهرت كيف يمكن استغلال الانقسامات الدينية أو العرقية أو الطائفية لإضعاف المجتمعات، مؤكدا ضرورة الانتباه إلى محاولات توظيف الاختلافات بين مكونات المجتمع لإثارة الصراعات.

وأضاف أن منفذي هذه الأعمال بحسب تقديره، قد يكونون أدوات ضمن مخططات أوسع من دوافعهم الفردية، مشيرا أن تداعيات الإرهاب تتجاوز مرتكبيها لتطال استقرار الدول ووحدة مجتمعاتها.

وبناءا على ذلك شدد فراعنة على أن العمليات الإرهابية التي شهدها الأردن تؤكد، وفق رأيه أن المملكة ليست بيئة حاضنة للعنف أو التطرف، لافتا إلى نجاح الأجهزة الأمنية في إحباط عمليات قبل تنفيذها والتعامل مع الحوادث التي وقعت، مضيفا أن استقرار الأردن يستند إلى تماسك نسيجه الوطني والعلاقات التي تجمع الأردنيين من مختلف الأصول والمنابت والأديان بما في ذلك الأردنيون والفلسطينيون والمسلمون والمسيحيون إلى جانب المكونات العربية والكردية والشركسية والشيشانية والأرمنية.

ولا بد من التأكيد أن أن هذا التنوع القائم على التداخل الاجتماعي والانتماء الوطني المشترك، يشكل عنصر قوة للدولة الأردنية ويعزز مفهوم المواطنة الجامعة، بعيدا عن الانقسامات الدينية أو العرقية.

وخلاصة القول أشار فراعنة أن الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي يمثلان ركيزتين أساسيتين في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار وأن الأردن يستمد قوته من وحدة أبنائه وتمسكهم بانتمائهم الوطني المشترك.

وحدة الصف وألفة القلوب والحذر

من جانبه أكد أمين عام الإفتاء في المملكة الدكتور زيد إبراهيم الكيلاني المحافظة على وحدة الصف وألفة القلوب، والحذر من المحاولات التي تستهدف النيل من تماسك المجتمع الأردني وإثارة الفتنة بين أبنائه، مشددا على أن استهداف المواطنين المسيحيين وسفك دمائهم لا يستهدفهم وحدهم، بل يمس الدين والوطن والوحدة الوطنية.

وقال إن العمل الإرهابي الذي استهدف دماء المواطنين المسيحيين المعصومة يمثل اعتداء على وحدة الأردنيين ومواقف الأردن المشرفة تجاه المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية، مؤكدا أن التماسك الوطني لطالما شكل سدا منيعا أمام المؤامرات ومحاولات التفريق بين أبناء المجتمع.

وأضاف أن هذا العمل الإجرامي لا يخدم إلا أعداء الأردن الساعين إلى بث الفتنة والفرقة في الوطن، مستشهدا بقول الله تعالى: «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ»، ومشيرا أن مثل هذه الأعمال لن تنال من عزيمة الأردنيين أو تمس وحدتهم بإذن الله.

وشدد الكيلاني أن الأردن سيبقى بعون الله، عصيا على محاولات استهدافه ومتمسكا بقيم التآخي والتعاون والعيش المشترك، مستشهدا بقوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».

وفي ختام تصريحه دعا الله أن يحفظ الأردن واحة للأمن والأمان ونموذجا للعيش المشترك في ظل القيادة الهاشمية.

نموذج للعيش التاريخي المشترك

وأكد الدكتور وائل عربيات وزير الأوقاف السابق للأنباط أن مدينة الكرك تمثل نموذجا تاريخيا للعيش المشترك الإسلامي المسيحي، والعلاقات المحبة والتآخي بين أبناء المجتمع الأردني، مشيرا إلى أن ما تتمتع به المدينة من رمزية تاريخية واجتماعية يجعل استهدافها، وفق تقديره، محاولة للنيل من هذا النموذج الوطني المشترك.

وأوضح أن الكرك شكلت تاريخيا حاضرة وبوابة للأردن وبلاد الشام، وعاش أبناؤها على أسس المحبة والوئام، مؤكدا أن حادثة مؤلمة مهما بلغت قسوتها لا يمكن أن تختزل تاريخ المدينة أو تنال من رمزية التعايش فيها.

وأشار إلى أن الوقفة الشعبية الأردنية بمختلف أطيافها عقب الحادثة تعكس مدى التماسك المجتمعي والتمسك بقيم الوحدة الوطنية، مؤكدا أن هذه المواقف تجسد قوة النسيج الاجتماعي الأردني وقدرته على تجاوز المحن.

وفي السياق شدد عربيات على أن الإسلام لا يمكن أن يختزل بممارسات أفراد يتبنون أفكارا متطرفة، موضحا أن الدين الإسلامي بريء من الجرائم التي يرتكبها الإرهابيون، وأن هذه الممارسات تعكس انحرافا فكريا ونفسيا يتعارض مع جوهر الإسلام ومبادئه.

واستنادا إلى ما سبق لفت عربيات إلى أن الأردن تنبه مبكرا إلى خطورة الفكر المتطرف، مبينا أن إطلاق رسالة عمان عام 2004 جاء تأكيدا لضرورة مواجهة التطرف والتكفير بالفكر المستنير والحوار والمنطق، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الإسلام.

وأضاف أن حرمة النفس الإنسانية مبدأ أساسي في الإسلام، مستشهدا بقوله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا»، مؤكدا أن النص القرآني لم يحصر حرمة النفس الإنسانية بدين أو فئة بعينها.

ودعا إلى مراجعة الأدوات والأساليب المستخدمة في مواجهة الفكر المتطرف، وتضافر جهود مؤسسات الدولة لمواجهته من خلال الفكر والمنطق والحجة والبيان، بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، مشددا على أن المواجهة الفكرية والأمنية مسارين متكاملان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

وفي رسالة وجهها عربيات إلى أسر الضحايا والمصابين، أعرب عن حزنه العميق إزاء الحادثة، مشيرا أن ما أصابهم يمس الأردنيين جميعا، وأن الألم الذي تعيشه الأسر هو ألم وطني مشترك.

وقال إن الأردن ينظر إلى الضحايا باعتبارهم شهداء للوطن، مؤكدا أن التضحيات التي قدموها ستزيد البلاد قوة وصلابة، وأن الأردنيين يقفون إلى جانب أسرهم في هذا المصاب الأليم، مضيفا أن الحادثة تمثل جرحا أصاب المجتمع الأردني بأكمله، إلا أن وحدة الأردنيين وتماسكهم يشكلان ركيزة أساسية لتجاوز آثارها والحفاظ على استقرار البلاد.

وأكد أن الأردن يمتلك مناعة وطنية ومجتمعية راسخة، وأن تماسك الأردنيين ووحدتهم يشكلان خط الدفاع الأساسي في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار أو اختراق النسيج الوطني، موضحا أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على الجانب العسكري والأمني، بل يشمل أيضا الدفاع المجتمعي والتماسك الداخلي والوقفة الشعبية الموحدة. إضافة إلى أن هذه العناصر مجتمعة تعكس قوة الدولة والمجتمع.

وشدد على أن الأردن، الذي تأسس على مدى عقود طويلة من التماسك والتلاحم، سيبقى قويا وقادرا على مواجهة التحديات، مؤكدا أن الأردنيين سيواصلون تجاوز آلامهم وجراحهم والتمسك بوحدتهم الوطنية.

وفي الختام أكد أن قوة الأردن الحقيقية تكمن في تماسك أبنائه والتفافهم حول وطنهم، وأن الحوادث المؤلمة لن تنال من عزيمتهم أو من قدرتهم على الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.

مبيضين: حضور الملك باللباس العسكري رسالة تعكس موقف الدولة بمواجهة التحديات

بدر: الارهاب لن يستطيع تمزيق النسيج الوطني المتين

فراعنة: الكرك تتميز بعلاقات متينة بين المسلمين والمسيحيين

الكيلاني: استهداف المواطنين المسيحيين يمس الدين والوطن والوحدة الوطنية

عربيات: الإسلام بريء من جرائم الإرهابيين

الانباط-آية شرف الدين

من قلعة صلاح الدين إلى كنيسة حمود، يبدو أن الإرهاب يعود إلى نفس المكان ليجرب نفس الأداة: كسر النموذج الأردني.

في 18 كانون أول 2016، اختارت خلية تابعة لتنظيم داعش الارهابي مدينة الكرك مسرحاً لهجومها. بدأ من بيت مفخخ في القطرانة، ثم إطلاق نار على دورية ومركز أمن المدينة، وانتهى بتحصن أربعة مسلحين داخل قلعة الكرك الأثرية واحتجاز سياح. حصيلة ذلك اليوم كانت 10 شهداء بينهم 7 من الأمن والدرك وسائحة ومواطنان، و34 مصاباً، قبل أن تتبنى "داعش" الهجوم.

بالأمس، الجمعة 23 تشرين أول ٢٠٢٦، عاد المشهد بسيناريو أكثر دموية ورمزية. ثلاثة مسلحين ترجلوا من مركبة وفتحوا النار لخمس دقائق متواصلة، ليس على مركز أمني، بل على كنيسة الروم الأرثوذكس في حمود - قرية عشائر الهلسة إحدى أكبر العشائر المسيحية في المحافظة أثناء تشييع جنازة.. وكان داخل الكنيسة وحولها ما بين 150 إلى 200 شخص.. لينقلب العزاء بفقيد واحد إلى مأتم جماعي. الحصيلة حتى اليوم ٩ شهداء و40 مصاباً بينهم حالات حرجة، وما زالت الأجهزة الأمنية تطارد المنفذين.

لماذا الكرك إذاً؟

لأن الكرك ليست مجرد محافظة على بعد 118 كم جنوب عمان. بل هي رمز تاريخي وعسكري، وقلعة منيعة عمرها 8000 عام.. وهي نموذج للتعايش، مسلمون ومسيحيون من عشائر متجذرة يشكلون نسيجاً واحداً.. وهي خزان للجيش والأمن، أبناءها شهداء القطرانة والقلعة عام 2016 هم من الدرك والأمن العام، وابنها الشهيد الطيار معاذ الكساسبة.. ليكون بذلك من أمر ونفذ الهجوم الارهابي قد سعى لضرب عدة ركائز للنموذج الأردني في آن واحد: هيبة الدولة، والعيش المشترك، والولاء للدولة وخصوصية الكرك وموقفها المعروف من القضية الفلسطينية والقضايا العربية .

ما جرى في قلعة الكرك كان محاولة لإعلان وجود "داعش" في الجنوب، وما جرى أمس في كنيسة حمود - كما وصفه الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء جعفر حسان - هو "نتيجة الفكر التكفيري الإرهابي والتطرف الأعمى" ومحاولة لـ"شق صف الأردنيين".. تغيرت الأداة من قلعة إلى كنيسة، ومن استهداف رجل أمن إلى استهداف مصلٍ في جنازة، لكن الهدف واحد: القول إن حتى أكثر المدن تماسكاً يمكن اختراقها، وأن حتى أكثر البيوت أماناً - بيت العزاء والكنيسة - لم تعد آمنة.. ولذلك، كان الرد من نفس المكان: كما وقف الكركيون عام 2016 مع جيشهم، وقفوا أمس مسلمين ومسيحيين في الصويفية وفي أماكن أخرى يشعلون الشموع ويهتفون "دم الأردني غالي.. وسنضرب بيد من حديد".

مواجهة التحديات وثقة مطلقة بالأمن والجيش

أكد وزير الداخلية السابق سمير مبيضين أن الأحداث التي شهدتها محافظة الكرك تمثل حادثا إرهابيا خطيرا يستهدف أمن الأردن واستقراره وثوابته الوطنية ونسيجه الاجتماعي، مشددا على ثقته بقدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة المتورطين ومحاسبتهم والتصدي للفكر المتطرف.

وقال مبيضين في حديثه لوسائل إعلامية: إنه يترحم على أبناء عمومته الذين طالتهم يد الغدر في منطقة حمود متمنيا الشفاء العاجل للمصابين، ومعربا عن تعازيه لأهالي الضحايا، ومؤكدا ثقته بالأجهزة الأمنية وقدرتها على التعامل مع تداعيات الحادث.

وأضاف أن ما شهدته الكرك يمثل اعتداء على الدولة بأكملها وليس على فئة بعينها، موضحا أن الجماعات المتطرفة تستهدف أمن المملكة وثوابتها الوطنية ووحدة نسيجها الاجتماعي، مستذكرا حوادث إرهابية سابقة شهدتها مناطق مختلفة، من بينها الكرك والسلط والبقعة وإربد.

وأشار إلى أن استهداف المواطنين وأفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من مختلف مكونات المجتمع الأردني، مؤكدا أن أهداف التنظيمات الإرهابية تتجاوز استهداف فئة أو جماعة بعينها لتطال الدولة وأمنها واستقرارها ونهجها القائم على الاعتدال والوسطية.

ولفت أن الأردن بقيادته الهاشمية يمتلك القدرة على تجاوز التحديات ومواجهة التهديدات، مشيرا إلى أن حضور جلالة الملك باللباس العسكري يحمل رسالة واضحة تعكس موقف الدولة في مواجهة التحديات والحرص على حماية أمن الوطن واستقراره.

وأضاف أن المملكة واجهت على مدار تاريخها تحديات متعددة، وخرجت منها أكثر قوة وصلابة، على الرغم ما تحملته من تبعات نتيجة مواقفها القومية والوطنية ونهجها المعتدل.

وقال مبيضين: أطمئن الجميع، بصفتي وزير داخلية سابقا وجزء من منظومة الدولة التي أعتز بها أن الأردن سيبقى بإذن الله قويا منيعا شامخا بقيادة جلالة الملك ومن خلفه سمو ولي العهد.

وشدد على أن مواجهة الإرهاب والتطرف لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب تكاتف مختلف مكونات المجتمع بدءا من الأسرة والمدرسة والجامعة، وصولا إلى المؤسسات الإعلامية والتربوية والكتاب والصحفيين، داعيا إلى تعزيز الوعي الوطني والتصدي للأفكار المتطرفة التي تهدد أمن المجتمع وتماسكه.

وبين أن ما يتعرض له الأردن يمثل حربا فكرية وأيديولوجية تستهدف الدولة ومجتمعها الأمر الذي يستدعي عملا وطنيا شاملا ومستمرا بعيدا عن ردود الفعل المؤقتة، وبما يسهم في تجفيف منابع التطرف وتعزيز ثقافة الاعتدال والتسامح.

ومن هذا المنطلق وجه مبيضين رسالة إلى أبناء محافظة الكرك شدد فيها على أهمية مواصلة التحلي بالوعي الوطني والتمسك بقيم الولاء والانتماء، مشيدا بما أظهره الأردنيون من تلاحم وتكاتف في مختلف المناطق وفي المساجد والكنائس، بما يعكس عمق الروابط التي تجمع أبناء المجتمع الأردني.

ولفت إلى أن الوحدة الوطنية تمثل أحد الثوابت الأساسية للدولة الأردنية، وركيزة في الحفاظ على تماسك المجتمع واستقراره، داعيا الى الالتفاف حول القيادة الهاشمية والأجهزة الأمنية، وتعزيز روح المسؤولية المشتركة في مواجهة الإرهاب وصون أمن الأردن ووحدته.


كرك المجد والتاريخ والعيش المشترك أقوى من الإرهاب

أشار الأب رفعت بدر مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام أن الإرهابيين اختاروا مدينة الكرك التاريخية كرك المجد والعزّة والكرامة، والكرك العيش المشترك والأخوة بين المسلمين والمسيحيين منذ أقدم العصور. واختاروا قرية وادعة من قراها، هي قرية حمود، لتنفيذ جريمتهم الإرهابية التي هزّت ضمير الوطن وأوجعت قلوب الأردنيين جميعا.

وبين بدر أن الكرك لم تكن يوما مدينة عادية في تاريخ الأردن، فقد قدمت العديد من رجالات الوطن الذين خدموا الدولة الأردنية في أرفع المواقع والمسؤوليات الوطنية، كما قدمت الشهداء في الحروب التي خاضها الأردن دفاعا عن فلسطين وقدمت أيضا شهداء سقطوا ضحايا للإرهاب قبل سنوات عند قلعتها التاريخية الحصينة.

ولفت أنه ليس غريبا على الكرك إذن أن تقدم الشهداء، فهي مدينة التضحية والوفاء ولكن المستهجن والمدان هذه المرة أن الإرهابيين اختاروا الكنيسة، بيت الصلاة والسلام، واختاروا لحظة الجنازة وهي من أصدق وأنبل اللحظات الإنسانية والروحية، حين يجتمع الأهل والأحبة لتوديع عزيز عليهم، وتقديم العزاء والمواساة.. لقد اعتدوا بذلك، ليس على أرواح بريئة فحسب، بل على قدسية المكان، وحرمة الموت، وكرامة الإنسان، وأسمى مشاعر التضامن بين أبناء المجتمع الواحد.

وأكد بدر إننا ننظر إلى الكرك بوصفها صورة مصغرة عن الأردن الكبير، الذي يحتضن جميع أبنائه دون استثناء أو تمييز، ويحترم تنوعهم الديني والثقافي، فلا يحول الاختلاف إلى خلاف، بل يجعله مصدر غنى وقوة ووحدة وطنية.

وأشار بدر للأنباط أن تماسكنا الوطني والتفافنا حول القيادة الهاشمية، ليس أمرا ثانويا أو قابلا للتراجع، مشيرا أنه من ثوابت الدولة وركائز منعتها.. واليوم في مواجهة هذا المصاب الجلل تتوحد الأسرة الأردنية وتتضامن أكثر فأكثر خلف جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمير الحسين.

وذكر بالأمس رأينا الحزن والتأثر على وجه جلالة الملك ولكننا رأينا أيضا التصميم على مواصلة مسيرة الإصلاح والتحديث وتعزيز الإخاء الوطني وترسيخ نهج الاعتدال والوسطية والحوار، الذي يدعو إليه الأردن ويقدمه نموذجا حضاريا حظي بالإعجاب والتقدير في مختلف أنحاء العالم.

ولا بد من الاشارة ان عزاؤنا أولا في المنعة الأردنية والوحدة الوطنية الراسخة وفي التفاف أبناء الوطن مسلمين ومسيحيين حول قيادتهم الهاشمية وفي إيمانهم بأن الإرهاب، مؤكدا أنه لن يستطيع تمزيق النسيج الوطني المتين الذي نسجته أجيال من المحبة والتضحية والمواطنة الصادقة.

وأضاف أن عزاؤنا ثانيا في كفاءة أجهزتنا الأمنية ويقظتها وثقتنا بقدرتها على كشف الحقائق وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة وصون أمن الوطن وكرامة المواطنين، كي يبقى الأردن واحة أمن واستقرار في منطقة تعصف بها التحديات.

وعزاؤنا ثالثا في هذا التضامن الواسع مع الأردن من مختلف أنحاء العالم وفي رسائل التعزية والشجب والاستنكار التي صدرت عن قيادات سياسية ودينية عديدة.

وأخص بالذكر تقدير خاص مواقف المؤسسات والمرجعيات الإسلامية من دائرة الإفتاء العام ودائرة قاضي القضاة ووزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، إلى فضيلة شيخ الأزهر الشريف وكذلك مراكز الحوار الإسلامية والمسيحية والدولية، التي تنظر إلى الأردن باعتباره نموذجا رائدا في العيش المشترك والحوار والمودّة بين المسلمين والمسيحيين.

وتأسيسا على ذلك أشار بدر أن هذه الجريمة مهما بلغت بشاعتها، لن تغير وجه الكرك، ولن تشوه صورة الأردن ولن تنال من رسالة بلد آمن بأن الآخر المختلف دينيا ليس غريبا ولا خصما، بل هو شريك حضاري وشريك في المواطنة وشريك في بناء الحاضر والمستقبل.

وتابع إذا كان الإرهابيون قد اختاروا الكنيسة والجنازة لبث الخوف والحزن، فإن جواب الأردنيين هو المزيد من المحبة والتضامن والمزيد من التمسك بوحدتهم الوطنية والمزيد من الإصرار على حماية الأردن من كل فكر متطرف أو خطاب كراهية أو محاولة لإثارة الفتنة.

ودعا بدر في سياق حديثه ان يحفظ الله الأردن قيادة هاشمية وجلالة ملك وسمو ولي عهده وجيشا وأمنا وشعبا، وترابا وماء مقدسا.

رحم الله أرواح الشهداء الأبرار، وشفى الجرحى والمصابين، وأنعم على عائلات الضحايا وعلى الأسرة الأردنية الواحدة بالصبر والعزاء والرجاء، وبالعزيمة المتجددة على أن يبقى الأردن نقيا من أفكار التطرف والإرهاب، قويا بوحدته، عزيزا بقيادته، غنيا بتنوعه، وفيا لرسالته الإنسانية والحضارية.

أثر "حمود" في الحياة الفكرية والسياسية

شمن زاوية أخرى قال المحلل السياسي حمادة فراعنة في حديثه عن اختيار مدينة الكرك إن مدينة الكرك لتنفيذ الحادثة قد يرتبط وفق تقديره ببعدها عن العاصمة ومراكز الأمن المركزي، ذلك الأمر الذي قد يدفع الجماعات المتطرفة إلى الاعتقاد بأن تنفيذ عملياتها فيها أسهل، إلى جانب استغلال وجود مراسم جنازة داخل كنيسة لتنفيذ الهجوم خلال تجمع مدني.

وأضاف أنه لابد من الجدير بالذكر أن الكرك سبق أن شهدت حادثة أمنية عام 2016 في قلعتها، معتبرا أن استهداف المحافظات الجنوبية البعيدة عن العاصمة قد يكون ضمن حسابات الجهات التي تخطط لتنفيذ أعمال إرهابية.

وأشار إلى أن وجود المسيحيين في موقع الحادثة وطبيعة المناسبة التي وقعت خلالها، يثيران تساؤلات بشأن احتمال استهدافهم بهدف إحداث صدمة مجتمعية واسعة وإثارة التوتر بين مكونات المجتمع الأردني.

وفي حديثه عن دلالات استهداف قرية حمود، أشار فراعنة إلى ما أنجبته القرية من شخصيات أكاديمية وفكرية ووطنية بارزة، لافتا إلى أن من بين الشهداء أطباء وأكاديميين وأصحاب مهن وهو ما يعكس بحسب وصفه طبيعة الشخصيات التي فقدها المجتمع في الحادثة.

وخلال حديثه استذكر فراعنة الكاتب الأردني الكبير غالب هلسا، الذي ارتبط اسمه بالمشهد الثقافي والفكري الأردني، كما أشار أيضا إلى مروان القسوس الذي قال إنه شغل موقعا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني، معتبرا أن هذه الأسماء وغيرها تعكس الأثر الذي تركته قرية حمود في الحياة الوطنية والفكرية.

من هذا المنطلق أكد فراعنة أن الكرك تتميز بعلاقات تاريخية متينة بين المسلمين والمسيحيين، وبحالة من التداخل الاجتماعي الذي يصعب معه الفصل بين أبناء المدينة على أساس ديني، موضحا أن هذه الخصوصية تجعل استهدافها ذا دلالات تتجاوز حدود الحادثة ذاتها.

وأوضح أن الهدف وفق تحليله، قد يتمثل في المساس بالأمن الوطني الأردني والوحدة الوطنية ومحاولة إحداث شرخ في العلاقات بين مكونات المجتمع، بما يفتح المجال أمام التوترات والانقسامات الداخلية.

وفي سياق حديثه أشار فراعنة إلى أن تجارب عدد من الدول العربية بينها العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن أظهرت كيف يمكن استغلال الانقسامات الدينية أو العرقية أو الطائفية لإضعاف المجتمعات، مؤكدا ضرورة الانتباه إلى محاولات توظيف الاختلافات بين مكونات المجتمع لإثارة الصراعات.

وأضاف أن منفذي هذه الأعمال بحسب تقديره، قد يكونون أدوات ضمن مخططات أوسع من دوافعهم الفردية، مشيرا أن تداعيات الإرهاب تتجاوز مرتكبيها لتطال استقرار الدول ووحدة مجتمعاتها.

وبناءا على ذلك شدد فراعنة على أن العمليات الإرهابية التي شهدها الأردن تؤكد، وفق رأيه أن المملكة ليست بيئة حاضنة للعنف أو التطرف، لافتا إلى نجاح الأجهزة الأمنية في إحباط عمليات قبل تنفيذها والتعامل مع الحوادث التي وقعت، مضيفا أن استقرار الأردن يستند إلى تماسك نسيجه الوطني والعلاقات التي تجمع الأردنيين من مختلف الأصول والمنابت والأديان بما في ذلك الأردنيون والفلسطينيون والمسلمون والمسيحيون إلى جانب المكونات العربية والكردية والشركسية والشيشانية والأرمنية.

ولا بد من التأكيد أن أن هذا التنوع القائم على التداخل الاجتماعي والانتماء الوطني المشترك، يشكل عنصر قوة للدولة الأردنية ويعزز مفهوم المواطنة الجامعة، بعيدا عن الانقسامات الدينية أو العرقية.

وخلاصة القول أشار فراعنة أن الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي يمثلان ركيزتين أساسيتين في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار وأن الأردن يستمد قوته من وحدة أبنائه وتمسكهم بانتمائهم الوطني المشترك.

وحدة الصف وألفة القلوب والحذر

من جانبه أكد أمين عام الإفتاء في المملكة الدكتور زيد إبراهيم الكيلاني المحافظة على وحدة الصف وألفة القلوب، والحذر من المحاولات التي تستهدف النيل من تماسك المجتمع الأردني وإثارة الفتنة بين أبنائه، مشددا على أن استهداف المواطنين المسيحيين وسفك دمائهم لا يستهدفهم وحدهم، بل يمس الدين والوطن والوحدة الوطنية.

وقال إن العمل الإرهابي الذي استهدف دماء المواطنين المسيحيين المعصومة يمثل اعتداء على وحدة الأردنيين ومواقف الأردن المشرفة تجاه المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية، مؤكدا أن التماسك الوطني لطالما شكل سدا منيعا أمام المؤامرات ومحاولات التفريق بين أبناء المجتمع.

وأضاف أن هذا العمل الإجرامي لا يخدم إلا أعداء الأردن الساعين إلى بث الفتنة والفرقة في الوطن، مستشهدا بقول الله تعالى: «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ»، ومشيرا أن مثل هذه الأعمال لن تنال من عزيمة الأردنيين أو تمس وحدتهم بإذن الله.

وشدد الكيلاني أن الأردن سيبقى بعون الله، عصيا على محاولات استهدافه ومتمسكا بقيم التآخي والتعاون والعيش المشترك، مستشهدا بقوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».

وفي ختام تصريحه دعا الله أن يحفظ الأردن واحة للأمن والأمان ونموذجا للعيش المشترك في ظل القيادة الهاشمية.

نموذج للعيش التاريخي المشترك

وأكد الدكتور وائل عربيات وزير الأوقاف السابق للأنباط أن مدينة الكرك تمثل نموذجا تاريخيا للعيش المشترك الإسلامي المسيحي، والعلاقات المحبة والتآخي بين أبناء المجتمع الأردني، مشيرا إلى أن ما تتمتع به المدينة من رمزية تاريخية واجتماعية يجعل استهدافها، وفق تقديره، محاولة للنيل من هذا النموذج الوطني المشترك.

وأوضح أن الكرك شكلت تاريخيا حاضرة وبوابة للأردن وبلاد الشام، وعاش أبناؤها على أسس المحبة والوئام، مؤكدا أن حادثة مؤلمة مهما بلغت قسوتها لا يمكن أن تختزل تاريخ المدينة أو تنال من رمزية التعايش فيها.

وأشار إلى أن الوقفة الشعبية الأردنية بمختلف أطيافها عقب الحادثة تعكس مدى التماسك المجتمعي والتمسك بقيم الوحدة الوطنية، مؤكدا أن هذه المواقف تجسد قوة النسيج الاجتماعي الأردني وقدرته على تجاوز المحن.

وفي السياق شدد عربيات على أن الإسلام لا يمكن أن يختزل بممارسات أفراد يتبنون أفكارا متطرفة، موضحا أن الدين الإسلامي بريء من الجرائم التي يرتكبها الإرهابيون، وأن هذه الممارسات تعكس انحرافا فكريا ونفسيا يتعارض مع جوهر الإسلام ومبادئه.

واستنادا إلى ما سبق لفت عربيات إلى أن الأردن تنبه مبكرا إلى خطورة الفكر المتطرف، مبينا أن إطلاق رسالة عمان عام 2004 جاء تأكيدا لضرورة مواجهة التطرف والتكفير بالفكر المستنير والحوار والمنطق، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الإسلام.

وأضاف أن حرمة النفس الإنسانية مبدأ أساسي في الإسلام، مستشهدا بقوله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا»، مؤكدا أن النص القرآني لم يحصر حرمة النفس الإنسانية بدين أو فئة بعينها.

ودعا إلى مراجعة الأدوات والأساليب المستخدمة في مواجهة الفكر المتطرف، وتضافر جهود مؤسسات الدولة لمواجهته من خلال الفكر والمنطق والحجة والبيان، بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، مشددا على أن المواجهة الفكرية والأمنية مسارين متكاملان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

وفي رسالة وجهها عربيات إلى أسر الضحايا والمصابين، أعرب عن حزنه العميق إزاء الحادثة، مشيرا أن ما أصابهم يمس الأردنيين جميعا، وأن الألم الذي تعيشه الأسر هو ألم وطني مشترك.

وقال إن الأردن ينظر إلى الضحايا باعتبارهم شهداء للوطن، مؤكدا أن التضحيات التي قدموها ستزيد البلاد قوة وصلابة، وأن الأردنيين يقفون إلى جانب أسرهم في هذا المصاب الأليم، مضيفا أن الحادثة تمثل جرحا أصاب المجتمع الأردني بأكمله، إلا أن وحدة الأردنيين وتماسكهم يشكلان ركيزة أساسية لتجاوز آثارها والحفاظ على استقرار البلاد.

وأكد أن الأردن يمتلك مناعة وطنية ومجتمعية راسخة، وأن تماسك الأردنيين ووحدتهم يشكلان خط الدفاع الأساسي في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار أو اختراق النسيج الوطني، موضحا أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على الجانب العسكري والأمني، بل يشمل أيضا الدفاع المجتمعي والتماسك الداخلي والوقفة الشعبية الموحدة. إضافة إلى أن هذه العناصر مجتمعة تعكس قوة الدولة والمجتمع.

وشدد على أن الأردن، الذي تأسس على مدى عقود طويلة من التماسك والتلاحم، سيبقى قويا وقادرا على مواجهة التحديات، مؤكدا أن الأردنيين سيواصلون تجاوز آلامهم وجراحهم والتمسك بوحدتهم الوطنية.

وفي الختام أكد أن قوة الأردن الحقيقية تكمن في تماسك أبنائه والتفافهم حول وطنهم، وأن الحوادث المؤلمة لن تنال من عزيمتهم أو من قدرتهم على الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير