حين يُضيَّق السوق تتسع سلطة المال
بقلم: عيسى عبدالرحيم الحياري
ليست الحكمة الاقتصادية في أن تُحكم الدولة قبضتها على السوق، بل في أن تضبط قواعده بما يمنع الفوضى دون أن يصنع الاحتكار، ويحمي المستهلك دون أن يُقصي التاجر، وينظم المنافسة دون أن يحصرها فيمن يملك المال الأضخم والنفوذ الأوسع.
خلال زيارة مهنية إلى المنطقة الحرة في الزرقاء، استوقفني مشهد معارض مركبات وساحات فحص ومهنيين بلا زبائن؛ مشهد يفتح باب التساؤل عن مصير قطاع تتشابك فيه أرزاق التجار ومتوسطي المستثمرين وصغار الكسبة، في ظل قرارات متلاحقة تستدعي مراجعة آثارها على حركة السوق وتوازناته.
إن أخطر ما قد تفضي إليه القيود غير المتوازنة على الاستيراد ليس مجرد تراجع المبيعات، بل إعادة تشكيل السوق لمصلحة رؤوس الأموال الضخمة القادرة على استيعاب الكلف والاشتراطات، بينما يجد التاجر المتوسط وصاحب رأس المال المحدود نفسيهما خارج المنافسة، لا لعجزهما عن التجارة، بل لأن قواعد الدخول إليها باتت أشد كلفة وأضيق مسارًا. وهنا قد تتحول المنافسة، من دون أن يُعلن ذلك صراحة، إلى امتياز لمن يملك القدرة على الصمود، لا لمن يقدم السعر الأفضل أو الخدمة الأجود.
ومن هذا المنطلق، فإن فتح مصادر الاستيراد، ومنها كوريا الجنوبية وغيرها من الأسواق التي تستطيع تلبية المواصفات الأردنية، ليس مطلبًا تجاريًا فحسب، بل ضرورة لتحقيق التوازن ومنع تركز الخيارات في أيدي قلة. فالمطلوب ليس إضعاف الوكلاء أو الانتقاص من حقوقهم، وإنما ضمان ألا تتحول حماية السوق إلى حماية غير مقصودة من المنافسة، وألا تصبح المواصفات الفنية بوابة إقصاء بدل أن تكون معيارًا موحدًا للسلامة والجودة.
إن الدولة التي تريد سوقًا سليمًا لا تكتفي بمنع المركبة غير المطابقة، بل تمنع كذلك أن يصبح رأس المال الكبير شرطًا شبه حصري لممارسة التجارة. فالعدالة الاقتصادية لا تعني مساواة الجميع في حجم الأموال، وإنما مساواتهم في فرص المنافسة ضمن قواعد واضحة ومستقرة.
ومع اقتراب نهاية العام، وهي فترة تشهد عادةً مراجعات للسياسات والقرارات الاقتصادية، تبرز فرصة حقيقية لإعادة النظر في القيود التي أثقلت السوق، والتراجع عن القرارات التي أثبتت آثارها السلبية على المنافسة وتنوع مصادر الاستيراد، بما يفتح المجال أمام التجار بمختلف أحجامهم، ويعيد التوازن إلى معادلة العرض والطلب. فكلما تعددت مصادر الاستيراد وتنافس الموردون، اتسعت الخيارات أمام المستهلك، وازدادت فرص انخفاض الأسعار وانتعاش حركة البيع والشراء، بدل أن تبقى السوق أسيرة قلة قادرة على التحكم في مساراتها بحكم اتساع إمكاناتها المالية.
إن السوق لا يختنق حين تقل البضائع وحدها، بل حين تضيق أبواب الدخول إليه؛ ولا يخسر المواطن حين يرتفع السعر فقط، بل حين تتقلص الخيارات التي كان يمكن أن تخفضه.ومن هنا، فإن مراجعة سياسات استيراد المركبات ينبغي أن توازن بين السلامة العامة، وحق المواطن في الاختيار، وحق صغار التجار في حين يُضيَّق السوق تتسع سلطة المال.












