الاهتمام الملكي بالصحة النفسية من استشراف التحديات إلى صناعة الفرص
لطالما ارتبط النهج الملكي باستشراف التحديات قبل تفاقمها والتحرك نحو بناء استجابات عملية لها واليوم يبرز اهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني بالصحة النفسية بوصفه ملفًا يستحق أن ينتقل إلى مقدمة الأولويات الوطنية لما له من أثر مباشر في الإنسان والأسرة والمجتمع والإنتاجية
إن التوجه الملكي لجلالة الملك عبدالله الثاني نحو كانبرا في أستراليا وفتح آفاق التعاون مع الجهات العاملة في مجال الصحة النفسية يضع أمام الأردن فرصة مهمة كيف نحول هذا الاهتمام الملكي إلى استراتيجية وطنية تغيّر واقع الخدمات النفسية وتوسّع وصولها إلى الجميع؟
لطالما حضرتني هذه الفكرة عند الحديث عن الفجوات التي يعاني منها قطاع الصحة النفسية في الأردن فبلدنا يمتلك أطباء وأخصائيين ومرشدين نفسيين متميزين لكن التحدي يتمثل في بناء منظومة متكاملة توظّف هذه الكفاءات وتضمن جودة الخدمات وسهولة الوصول إليها واستمراريتها بما ينسجم مع تطلعات جلالة الملك لمستقبل أفضل للأردن ومواطنيه
في لقاء سابق لي على شاشة التلفزيون الأردني، تحدثت عن فرصة الأردن ليكون من بين أفضل عشر دول عالميًا في مجال الصحة النفسية وما زلت أؤمن بإمكانية العمل نحو هذا الطموح لكن الوصول إليه يحتاج إلى أكثر من المبادرات المتفرقة يحتاج إلى خطة وطنية واضحة وأهداف قابلة للقياس وتنفيذ جاد وشراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمختصين لترجمة الرؤية الملكية إلى إنجازات ملموسة
أولويات التحرك واضحة
تطوير خدمات وزارة الصحة من خلال رفع جودة الخدمات في العيادات والمستشفيات النفسية وتوسيع نطاق الوصول إليها وتعزيز المتابعة الدورية للمستفيدين ويمكن للخدمات الرقمية أن تسهم في توفير جلسات الدعم والإرشاد النفسي والمتابعة غير الدوائية ضمن ضوابط مهنية واضحة وبما يضمن إحالة الحالات التي تحتاج إلى علاج متخصص إلى الجهات المعنية
بناء منظومة دعم نفسي للطلبة وأسرهم فالمدرسة نقطة أساسية في الوقاية والتدخل المبكر ويمكن تطوير بيئة رقمية آمنة تضم مرشدين نفسيين مؤهلين وتتيح للطلبة وأولياء أمورهم الوصول إلى الدعم والإرشاد خارج أوقات الدوام المدرسي بالتكامل مع المرشدين في المدارس كما أن ربط هذه الجهود بوزارة الشباب يتيح الجمع بين الدعم النفسي والأنشطة الرياضية والاجتماعية لبناء جيل أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة التحديات، وهو استثمار في الإنسان الذي يشكل محور الرؤية الملكية للتحديث والتنمية
إدماج الصحة النفسية في بيئة العمل إن تطوير أنماط الدوام وتقليل الضغوط على الموظفين يمكن أن يشكّلا فرصة لتحسين التوازن بين الحياة والعمل ورفع الإنتاجية لكن الاستفادة الحقيقية من هذه التوجهات تتطلب أيضًا إنشاء برامج أو وحدات للدعم النفسي والرفاه الوظيفي في المؤسسات الحكومية والتوسع لاحقًا نحو القطاع الخاص مع ضمان سرية الخدمات وقياس أثرها في بيئة العمل
الاستعداد للتحولات العالمية فالتطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والضغوط الاقتصادية والحروب والأزمات تفرض تحديات متزايدة على الأفراد والأسر ويمكن للأردن أن يستعد لها من خلال الاستثمار في الوقاية النفسية وتوسيع الخدمات الرقمية المساندة وتوظيف التكنولوجيا بمسؤولية دون أن تكون بديلًا عن المختصين والرعاية البشرية عند الحاجة
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد الاعتراف بأهمية الصحة النفسية بل تحويلها إلى جزء أصيل من سياساتنا الصحية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية وهذا يتطلب تحديد مسؤوليات المؤسسات وتخصيص الموارد اللازمة ووضع مؤشرات واضحة لقياس جودة الخدمات ومدى وصولها إلى المواطنين بما يواكب الاهتمام الذي يوليه جلالة الملك لهذا القطاع الحيوي.
إن الاهتمام الملكي يفتح الباب أمام فرصة وطنية لكن قيمة هذه الفرصة ستُقاس بما يتحقق على أرض الواقع فطموح أن يصبح الأردن من الدول الرائدة عالميًا في الصحة النفسية يجب أن يتحول إلى هدف مؤسسي تعمل من أجله الجهات المعنية بخطة واضحة وتنفيذ مستمر وبما يترجم التوجيهات الملكية إلى سياسات وخدمات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية
لقد آن الأوان لننتقل من معالجة الفجوات كلٌّ في موقعه إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تجعل الدعم النفسي متاحًا في المدرسة ومكان العمل والمركز الصحي والمجتمع عندها فقط يمكننا أن نترجم هذا الاهتمام الملكي إلى أثر ملموس في حياة الناس وأن نهيئ الأردن لمستقبل تكون فيه الصحة النفسية ركيزة أساسية للتنمية وجودة الحياة وقطاعًا يستطيع الأردن من خلاله أن يصنع فرصًا جديدة للريادة والتميز .
سوار الخوالدة
متخصص في الصحة النفسية الرقمية












