ولي العهد وتكنولوجيا المستقبل،،، من تمكين الشباب إلى بناء قدرة وطنية جديدة
الدكتورة الصيدلانية سارة غريز متخصصة في الابتكار والملكية الفكرية واقتصاد المعرفة
اصبح السؤال الاعمق المتعلق بالشباب في الأردن هوكيف نحول رأس المال البشري الأردني إلى قدرة وطنية تستطيع إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقيمة الاقتصادية؟ فتمكين الشباب قد يبدأ بالتدريب والتعليم وريادة الأعمال وإتاحة الفرص، أما بناء القدرة الوطنية فيعني الانتقال إلى مستوى آخر بأن تصبح لدى الدولة منظومة تستطيع اكتشاف المعرفة، وتطويرها، وحمايتها، وتمويلها، وتحويلها إلى شركات ومنتجات وتكنولوجيا، ثم إدخالها إلى الأسواق المحلية والعالمية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب مهم من النشاط الذي يقوده سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في ملفات التكنولوجيا والابتكار خلال المرحلة الأخيرة. ففي شباط 2026، وخلال ترؤس سموه اجتماعا للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، طُرح بصورة واضحة تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار، ووضع أولويات للبحث العلمي، والاستفادة من الكفاءات والمؤسسات العلمية الأردنية لتعزيز الاستثمار في هذا المجال، إلى جانب العمل على توفير بيئة تجعل المملكة حاضنة للابتكار والريادة التكنولوجية. هذه النقاط تستحق أن تُقرأ بما يتجاوز الخبر اليومي، لأنها تشير إلى تحول مهم في مفهوم العلاقة بين الشباب والتكنولوجيا والدولة.
على مدى سنوات طويلة، ارتبط مفهوم تمكين الشباب في المنطقة عموما بالتدريب وبناء المهارات واحتضان المبادرات الصغيرة. وهذه أدوات ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة اقتصاد تكنولوجي. فيمكن لدولة أن تدرب عشرات الآلاف على البرمجة، ثم تجد أفضلهم بعد سنوات يعملون لمصلحة اقتصادات أخرى. ويمكنها تخريج باحثين متميزين دون أن يتحول إنتاجهم العلمي إلى شركات أو منتجات. ويمكن أن تمتلك جامعات قوية، بينما تبقى المسافة واسعة بين المختبر والسوق. لهذا فإن التحدي الحقيقي ليس في إنتاج الموهبة وانما في الاحتفاظ بالقيمة التي تنتجها هذه الموهبة داخل الاقتصاد الوطني.
وفي منتدى تواصل 2026، تحدث ولي العهد عن الذكاء الاصطناعي بوصفه محركا للكفاءة والإنتاجية، وعن أهمية بناء تطبيقات له في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير برامج وطنية، وخصوصا التعليمية، للاستفادة من الكفاءات الأردنية المؤهلة. وهنا تظهر ملامح معادلة مختلفة بان التعليم ليس غاية نهائية، والتكنولوجيا ليست قطاعا منفصلا، والشباب ليسوا فئة ينبغي تقديم الخدمات لها فقط وانما يمكن النظر إليهم باعتبارهم جزءا من البنية الإنتاجية المستقبلية للدولة.
الدول التي تحتل مواقع متقدمة في اقتصاد المعرفة لا تمتلك تطبيقات حديثة فحسب لكنها تمتلك منظومة تبدأ بالتعليم والبحث، وتمر بريادة الأعمال ورأس المال والاستثمار والتشريع والملكية الفكرية، وتنتهي بشركات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية. وهنا يحتاج الأردن إلى الانتقال من التفكير في التكنولوجيا باعتبارها أداة تحديث إلى التفكير فيها باعتبارها قدرة سيادية واقتصادية. فامتلاك برنامج متطور أمر جيد، لكن امتلاك الكفاءات القادرة على تطوير الجيل التالي منه أفضل. واستيراد التكنولوجيا قد يحل مشكلة آنية، لكن بناء شركة أردنية قادرة على تطوير التكنولوجيا وتسجيل ملكيتها الفكرية وتصديرها يخلق قيمة أكبر وأكثر استدامة. وهذا تحديدا هو الفارق بين الدولة المستخدمة للتكنولوجيا والدولة المنتجة للقيمة التكنولوجية.
إذا كان الأردن يريد بناء اقتصاد يقوم على الابتكار، فلا يمكن فصل هذا المشروع عن الملكية الفكرية. فالمبتكر الذي يطور حلا تقنيا، والباحث الذي يصل إلى اكتشاف علمي، والشركة الناشئة التي تطور خوارزمية أو دواءً أو تقنية هندسية، لا تنتج فكرة فقط، إنها تنتج أصلا اقتصاديا. وهنا تصبح الأسئلة مختلفة، من يملك هذه المعرفة؟ كيف تُحمى؟ كيف تُقيّم ماليا؟ كيف تُرخص؟ كيف تتحول إلى استثمار؟ وكيف نمنع أن ينتقل الجزء الأكبر من القيمة إلى الخارج بينما يبقى الأردن مجرد مصدر للكفاءات؟ لهذا فإن أي منظومة وطنية لتكنولوجيا المستقبل تحتاج، إلى جانب المهندس والمبرمج والباحث، إلى منظومة متقدمة في براءات الاختراع، ونقل التكنولوجيا، وترخيص المعرفة، وتقييم الأصول غير الملموسة، وتمويل الابتكار. فالملكية الفكرية ليست ملفا قانونيا على هامش الاقتصاد الجديد ولكنها إحدى بنيته الأساسية.
وتكتسب زيارات ولي العهد في حزيران الماضي إلى مؤسسات وشركات تكنولوجية في كاليفورنيا أهمية خاصة عند قراءتها في هذا السياق. فخلال زيارته لشركة Playground Global ، جرى بحث فرص التعاون والاستثمار في الأردن، إضافة إلى تطوير المواهب التقنية المتقدمة في مجالات أشباه الموصلات والحوسبة الكمية والروبوتات والهندسة الحيوية. وفي وادي السيليكون، شملت اللقاءات شركات ورواد أعمال في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والبرمجيات المتقدمة والتعليم الرقمي، مع طرح الأردن باعتباره بيئة يمكن أن تربط الكفاءات المحلية بالاستثمار والتكنولوجيا العالمية. ومن النماذج اللافتة كذلك التعاون مع شركة Replit ، الذي أفضى إلى مشروع سراج، وهو مساعد تعليمي باللغة العربية قائم على الذكاء الاصطناعي ويخدم نحو 1.3 مليون مستخدم في قرابة 5,800 مدرسة. أهمية نموذج كهذا تكمن في المعادلة التي يمثلها وهي موهبة أردنية عالمية + مؤسسة وطنية + تكنولوجيا متقدمة + مشكلة محلية واضحة + تطبيق واسع النطاق. وهي معادلة يمكن تكرارها في الصحة والطاقة والزراعة والمياه والنقل والخدمات الحكومية والصناعة.
هناك خطأ شائع يتمثل في الاعتقاد أن الاقتصاد التكنولوجي يصنعه المهندسون وحدهم. الحقيقة أن الشركة الناشئة قد تمتلك فكرة ممتازة وفريقا موهوبا، ثم تفشل لأن التمويل غير متاح، أو لأن البيئة التنظيمية غير مناسبة، أو لأن حماية الملكية الفكرية ضعيفة، أو لأن الوصول إلى الأسواق بطيء. ولهذا كانت إشارة ولي العهد في آذار 2026 إلى أهمية تسريع تطوير الإطار التشريعي الداعم للشركات الناشئة وتسهيل وصول الشباب إلى التمويل، بالتوازي مع تطوير البنية الرقمية واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة البيانات الحكومية وتحسين الخدمات، ذات دلالة مهمة. فالسياسة التكنولوجية الناجحة ليست سياسة قطاع تكنولوجيا المعلومات ولكن إنها تقاطع بين التعليم والاقتصاد والاستثمار والتشريع والتمويل والبحث العلمي والسياسة الصناعية.
إذا أردنا بناء قدرة وطنية حقيقية، فلا ينبغي أن تنتهي رحلة البحث العلمي عند نشر الورقة العلمية أو منح الدرجة الأكاديمية. يجب أن نسأل أيضاً أي جزء من الأبحاث يمكن تحويله إلى براءات؟ أي منها يمكن أن ينتقل إلى الصناعة؟ أين مكاتب نقل التكنولوجيا؟ وأين صناديق التمويل المبكر؟ وكيف يمكن للباحث والجامعة أن يستفيدا اقتصاديا من اختراع يتحول إلى منتج؟ وهنا يصبح تطوير منظومة البحث العلمي الذي طرحه المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل مرتبطا مباشرة بمستقبل الاقتصاد، وليس فقط بتطوير أداء الجامعات. الدولة التي تنجح في ربط الجامعة بالصناعة ورأس المال والسوق تستطيع مضاعفة القيمة الاقتصادية لنفس الإنفاق الذي تخصصه أصلا للتعليم والبحث.
لسنوات، تحدثنا عن الشباب بوصفهم مستقبل الدولة. لكن الشاب الأردني الذي يعمل اليوم في الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني أو التكنولوجيا المالية أو الهندسة الحيوية هو جزء من قدرة الدولة الحالية. ولعل الرسالة الأكثر أهمية في اللقاءات التي يعقدها ولي العهد مع الشباب وفي نشاط المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل هي نقل النقاش من سؤال ماذا نقدم للشباب؟ إلى سؤال أكثر نضجاوهو ماذا يستطيع الشباب أن يبنوا للأردن إذا وفرت لهم الدولة المنظومة المناسبة؟ وفي لقاء سموه مع شباب محافظة الكرك في تموز 2026، عاد التأكيد على تطوير التعليم الجامعي والمهني والتقني وعلى القدرات التقنية للشباب الأردني. لكن النجاح في المرحلة المقبلة يحتاج إلى خطوة إضافية وهي أن تصبح هذه المواهب جزءا من مشروع اقتصادي وطني متكامل.
الأردن لا يملك سوقا داخلية بحجم الاقتصادات الكبرى، ولا يمتلك موارد طبيعية غير محدودة. لكنه يمتلك عنصرا يمكن أن تكون قيمته أكبر من حجمه الجغرافي وهو الإنسان الأردني المتعلم والقابل للاندماج في الاقتصاد العالمي. ولهذا يمكن أن تكون معادلة الأردن المستقبلية بسيطة في صياغتها، وإن كانت صعبة في تنفيذها الموهبة البحث الملكية الفكرية التمويل الشركة المنتج السوق العالمي. كل حلقة مفقودة في هذه السلسلة تعني تسرباً للقيمة إلى الخارج. فإذا دربنا الإنسان ولم نوفر له فرصة، خسرناه بالهجرة. وإذا أنتجنا البحث ولم نحمه، فقدنا قيمته الاقتصادية. وإذا سجلنا الاختراع ولم نموله، بقي براءة على الورق. وإذا أسسنا الشركة ولم نفتح لها السوق العالمي، بقي حجمها محدودا. وهنا تظهر وظيفة الدولة الحديثة أن تجعل هذه الحلقات تعمل معاً.
ربما تكون أهم نتيجة يمكن استخلاصها من المسار الحالي أن تكنولوجيا المستقبل لم تعد ملفا محصورا بوزارة أو مؤسسة أو قطاع. إنها سياسة تعليم، وسياسة صناعية، وسياسة استثمار، وسياسة تشغيل، وسياسة بحث علمي، وسياسة ملكية فكرية في الوقت ذاته. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل تقاس بقدرته على خلق ترابط مؤسسي دائم بين الجامعات والشركات والمستثمرين والحكومة والمبتكرين. كما ينبغي أن تقاس النتائج بمؤشرات تتجاوز عدد المتدربين والفعاليات، كم شركة تكنولوجية أردنية وصلت إلى أسواق خارجية؟ كم براءة أردنية جرى تسويقها أو ترخيصها؟ كم استثمارا تكنولوجيا عالي القيمة تم جذبه؟ وكم وظيفة عالية المهارة تم خلقها؟ وكم تقنية انتقلت من جامعة أردنية إلى الصناعة؟ هذه هي المقاييس التي تحول الطموح إلى قدرة وطنية قابلة للقياس.
لا يحتاج الأردن إلى أن ينافس الاقتصادات الكبرى في كل تكنولوجيا. الأكثر واقعية هو تحديد مجالات تستطيع المملكة أن تبني فيها ميزة تخصصية حقيقية، وأن توجه التعليم والبحث والاستثمار والتشريع إليها بصورة متكاملة. قد تكون بعض هذه المجالات الذكاء الاصطناعي العربي، والتكنولوجيا المالية، والصحة الرقمية، والصناعات الدوائية المتقدمة، والأمن السيبراني، وتقنيات المياه والطاقة، أو قطاعات تقنية أخرى تثبت الدراسات أن الأردن قادر على المنافسة فيها. المهم ألا تكون التكنولوجيا هدفاً بذاتها. الهدف هو الإنتاجية، ورفع القيمة المضافة، وخلق فرص نوعية للشباب، وتعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على المنافسة والاستقلال في القرار الاقتصادي والتكنولوجي بقدر ما تسمح به إمكاناته. وهنا يمكن فهم التحول من تمكين الشباب إلى بناء القدرة الوطنية.فالمرحلة الأولى كانت أن نعطي الشباب الأدوات. أما المرحلة المقبلة فيجب أن تكون أن نبني معهم منظومة تسمح للعقل الأردني بأن ينتج المعرفة، ويملك جزءا من قيمتها، ويحولها إلى اقتصاد. وعندها يكون السؤال كم جزءا من المستقبل أصبح الأردن نفسه قادرا على صنعه؟









