العقبة … من التشاركية إلى التكاملية
بقلم: عماد عبدالقادر عمرو
هناك فرق بين أن تمتلك مدينة كل مقومات النجاح وبين أن تعرف كيف تجمع هذه المقومات في اتجاه واحد. وهذا هو السؤال الذي أراه اليوم أمام العقبة.
فأهمية العقبة لم تعد بحاجة إلى شرح. موقعها وموانئها واستقرارها وما تمتلكه من فرص في التجارة والسياحة والخدمات اللوجستية معروفة. لكن المتغيرات الإقليمية الحالية جعلت هذه المزايا أكثر أهمية ووضعت المدينة أمام فرصة حقيقية لتثبيت موقعها الاقتصادي على مستوى المنطقة.
الفرصة وحدها لا تكفي. ما يبقى هو القدرة التي نبنيها داخل المدينة.
ومن خلال تجربتي في العمل العام ومجلس محافظة العقبة كنت أرى أن كثيرا من إمكانات النجاح موجودة داخل مؤسساتنا. التحدي كان دائما في كيفية جمع هذه الإمكانات وربطها ببعضها. واليوم أعتقد أننا بدأنا نلمس عملا تشاركيا حقيقيا في العقبة، وتنسيقا أكبر بين المؤسسات المعنية بالاقتصاد والموانئ والنقل والخدمات والاستثمار. وهذه خطوة مهمة ينبغي البناء عليها.
المطلوب الآن هو تعميق هذا المسار والانتقال من التشاركية إلى التكاملية. فالمستثمر لا يتعامل مع مؤسسة منفردة، بل مع العقبة كلها. وكلما كانت القرارات أكثر ترابطا والمعلومات أكثر انسيابا والإجراءات أكثر وضوحا أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.
وهنا يأتي الأمن والاستقرار كجزء أساسي من المعادلة الاقتصادية. المستثمر العالمي لا يبحث عن السوق فقط، بل عن المكان الذي يستطيع أن يطمئن فيه على أمواله وحركته وسلاسل إمداده. وما توفره مؤسساتنا الأمنية والعسكرية من حماية واستقرار في العقبة يمثل قيمة اقتصادية حقيقية للأردن ويعزز الثقة بموقعها كبوابة آمنة للتجارة والاستثمار.
وفي الاتجاه نفسه تأتي المدينة الذكية. مستقبل العقبة لا يحتاج إلى مزيد من الأنظمة المنفصلة، بل إلى منظومة تستخدم البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لربط الموانئ والنقل والخدمات والاستثمار. عندما تصبح المعلومة متاحة في وقتها ويصبح القرار أسرع وأكثر دقة تتحول التكنولوجيا من خدمة إضافية إلى قوة اقتصادية.
وهذا ينسجم مع الرؤية الملكية للعقبة ومع المتابعة المباشرة لسمو ولي العهد لمسارها الاقتصادي والتكنولوجي. فالمطلوب ليس تطوير مدينة فقط، بل بناء نموذج أردني قادر على المنافسة في اقتصاد يتغير بسرعة.
لدينا اليوم فرصة مهمة. لكن النجاح لن يكون في الاستفادة من ظرف إقليمي مؤقت، بل في تحويل هذا الظرف إلى قدرة دائمة. أن نطور الموانئ واللوجستيات وأن نسهل الاستثمار وأن نربط مؤسساتنا وأن نحافظ على مستوى الأمن والاستقرار الذي أصبح جزءا من ثقة العالم بالأردن.
ومن واقع تجربتي أرى أن الطريق بدأ بالفعل. وما نحتاجه هو الاستمرار بنفس الروح مع مزيد من سرعة القرار وتبادل المعلومات وتحمل المسؤولية المشتركة. اختلاف الاختصاصات يجب أن يبقى منظما للعمل لا سببا لتعطيله.
قيادتنا الهاشمية وضعت للعقبة موقعا واضحا في مستقبل الاقتصاد الوطني. وسمو ولي العهد يتابع مسارها ويدفع باتجاه اقتصاد أكثر حداثة وتكنولوجيا. ومؤسسات الدولة في العقبة أمام مسؤولية أن تترجم هذا التوجه إلى نتائج يلمسها المستثمر والمواطن.
لسنا بحاجة إلى أن تعمل كل مؤسسة أكثر فقط. نحن بحاجة إلى أن تعمل المؤسسات معا بشكل أفضل.
هذه هي المرحلة التي أراها أمام العقبة: أن تتحول التشاركية التي بدأنا نلمسها إلى تكامل حقيقي يجعل المدينة تعمل كمنظومة واحدة.
كلنا فريق واحد لأجل الأردن. والمطلوب أن نتصرف على هذا الأساس.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً









