2026-10-07 - الأربعاء
banner
عربي دولي
banner

‏ رسالة من الشرق الأوسط: بعد ثلاثة أعوام من حرب مدمرة .. يبقى المستقبل مبهما في غزة

{clean_title}
جهينة نيوز -
‏
‏
‏ في الطائرة المتجهة من القاهرة إلى جنوب إفريقيا في ديسمبر 2025، كنت أنظر من النافذة إلى المساحات الممتدة تحتنا، وأفكر في غزة.
‏
‏كانت تلك المرة الأولى التي أركب فيها طائرة في حياتي، والمرة الأولى التي أرى فيها مطارا من الداخل. حولي، كان الناس يتحركون بصورة طبيعية، يتحدثون ويضحكون ويخططون لما سيفعلونه عند الوصول، بينما كنت أحمل في داخلي أشهرا طويلة من الحرب والخوف والفقد.
‏
‏كنت في طريقي للقاء شقيقي أمير، الذي خرج من غزة في نوفمبر 2025 مع زوجته وطفله الوحيد كمال، الذي ولد خلال الحرب ولم نكن قد رأيناه من قبل.
‏
‏وبينما كانت الطائرة تعبر مسافات واسعة فيما تتمايل السحب تحتنا، ظل سؤال واحد يطاردني: إذا كان العالم بهذه السعة، فلماذا يبدو ضيقا إلى هذا الحد بالنسبة إلى أهل غزة؟.
‏
‏لم أجد جوابا.
‏
‏بعد ثلاثة أعوام من حرب دامية، لا تزال المسافة بين غزة والعالم تتسع. ليست المسافة الجغرافية فقط، بل المسافة بين حياة كان يمكن أن تكون طبيعية وحياة أصبحت معلقة على سؤال واحد: ماذا سيحدث غدا؟.
‏
‏في السادس من أكتوبر 2023، أي قبل يوم واحد من اندلاع الحرب، كنت أجلس بجوار نافذة مكتبي في مكتب شينخوا في غزة، أحتسي كوبا من النسكافيه وأراقب السيارات وهي تمر في الشارع أسفل النافذة.
‏
‏كنت أبلغ من العمر 38 عاما، وأعتقد - في ذلك الحين - أنني نجحت أخيرا في بناء حياة خاصة بي.
‏
‏بعد سنوات من العمل في الصحافة، كنت قد أسست مسيرة مهنية أعتز بها. وقبل نحو عامين ونصف من ذلك الوقت، اشتريت سيارتي الخاصة، وفي سبتمبر 2023، قبل أسابيع فقط من اندلاع الحرب، اشتريت منزلي في حي تل الهوى غرب مدينة غزة.
‏
‏لم تكن السيارة والمنزل مجرد ممتلكات. كانا يمثلان سنوات من العمل والإيمان بأنني أبني، خطوة بعد أخرى، مستقبلا مستقرا.
‏
‏لم أكن أعرف أنني أعيش الأيام الأخيرة من تلك الحياة.
‏
‏اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر. وبعد ثلاثة أيام، أُجبرت أنا وعائلتي على مغادرة منزلنا عقب أوامر الإخلاء الإسرائيلية وإرشادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
‏
‏وخلال الأشهر السبعة التي بقيت فيها في غزة، تحولت الاحتياجات الأساسية إلى أزمات يومية. الطعام والماء، وهما أمران كنت أعتبرهما من المسلمات، أصبحا يتطلبان البحث والانتظار والقلق.
‏
‏وبعد أن فقد أشقائي أعمالهم، أصبحت المعيلة الرئيسية لعائلة كبيرة تضم نحو 25 شخصا، معظمهم من الأطفال.
‏
‏لم يعد لدي وقت للتفكير في السيارة أو المنزل اللذين فقدتهما. كان كل يوم يبدأ بالأسئلة نفسها: كيف سنجد الطعام؟ كيف سنحصل على الماء؟ كيف سنحمي الأطفال؟ وكيف سنجتاز يوما آخر؟.
‏
‏
‏اليوم، يعكس حجم الكارثة أرقام يصعب استيعابها. فقد قُتل أكثر من 74 ألف فلسطيني وأصيب أكثر من 175 ألفا منذ بدء الحرب، فيما نزح نحو مليوني شخص خلال مراحل مختلفة منها، كثير منهم مرات عدة.
‏
‏وتضرر أو دُمر أكثر من 85 في المئة من البنية التحتية والممتلكات في غزة، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي، بينما قدرت تقييمات حديثة تكلفة إعادة الإعمار والتعافي بنحو 70 مليار دولار، وفق منظمات أممية.
‏
‏لكن خلف كل رقم عائلة مثل عائلتي، وخلف كل منزل مدمر شخص كان يؤمن، كما كنت أنا، بأن المنزل يمكن أن يوفر الأمان والاستقرار.
‏
‏في أبريل 2024، غادرت غزة، لكنني غادرت جسدا فقط. من القاهرة، واصلت عملي الصحفي وتابعت تفاصيل غزة يوما بيوم. كنت أكتب عن القصف والنازحين والجوع والمستشفيات والقتلى، ثم أرفع عيني عن الشاشة لأتصل بإخوتي وأطمئن عليهم.
‏
‏كان العمل من الخارج مختلفا. في غزة، كنت أعيش الحدث وأغطيه في الوقت نفسه. أما في القاهرة، فأصبحت أتابع الأخبار من شاشة الكمبيوتر وأنا أعرف أن عائلتي موجودة في المكان نفسه الذي أكتب عنه.
‏
‏في إحدى المرات، وقع قصف بالقرب من المكان الذي كان يتواجد فيه إخوتي. حاولت الاتصال بهم لساعات ولم يجب أحد. خلال تلك الساعات، لم أعد صحفية، بل كنت شقيقة تتخيل أن إخوتها ربما قتلوا.
‏
‏بكيت وانتظرت واتصلت مرة بعد أخرى حتى جاء الرد أخيرا، وعرفت أنهم ما زالوا على قيد الحياة. تكررت هذه اللحظات، وتراكم الخوف والضغط النفسي إلى درجة احتجت معها إلى علاج نفسي استمر نحو ستة أشهر.
‏
‏لكنني لم أكن الوحيدة التي تحمل هذا العبء.
‏
‏كنت أتواصل يوميا مع زملائي في شينخوا في غزة، وأحيانا عدة مرات في اليوم. كنا نتحدث عن العمل، لكننا كنا نسأل أيضا: هل أنت بخير؟ هل وصلت إلى مكان آمن؟ هل أطفالك بخير؟ هل لديك ماء؟ هل تمكنت من الحصول على الطعام؟.
‏
‏كنا نعمل وسط القصف والخوف، ثم نتحدث عن قصف وقع بالقرب من أحدنا أو منزل دُمر في حي مجاور أو شخص نعرفه قُتل.
‏
‏بلغ الضغط النفسي لدى بعض الزملاء مستويات قاسية للغاية. قال لي أحدهم في لحظة يأس "نحن حتما سنموت اليوم أو غدا أو بعده، فما الفرق بين الموت بقصف إسرائيلي أو تسريع الموت بقتل أطفالي ونفسي ووضع حد لهذه المعاناة؟".
‏
‏ظل كلامه عالقا في ذهني، لأنه جعلني أدرك أن الحرب لا تقتل الناس بالقصف وحده، بل تستنزف الناجين منها من الداخل أيضا.
‏
‏
‏وبعد ثلاثة أعوام، ما زالت عائلتي تعيش آثار الحرب. شقيقي راضي وزوجته يعيشان مع أطفالهما الستة، خمس بنات وولد، في مخيم في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة.
‏
‏يقول راضي "نحن لا نعيش كما كان الناس يعيشون قبل الحرب. كل يوم له حساباته. نفكر في الماء أولا، ثم الطعام، ثم أين سننام، وبعدها نسأل أنفسنا ماذا سنفعل غدا".
‏
‏ثم يتحدث عن أطفاله، قائلا "أصعب شيء بالنسبة لي أن أرى أولادي يكبرون في المخيم. البنات كبرن، والولد كبر، لكنهم لم يعيشوا طفولة طبيعية. أحاول أن أضحك معهم وأشغلهم، لكنني في داخلي أفكر دائما: إلى متى؟".
‏
‏الأطفال الذين تركتهم في غزة كانوا صغارا. اليوم أصبحوا أكبر سنا، وبعضهم يذهب إلى مدارس أقيمت داخل الخيام.
‏
‏تعلموا كلمات لم يكن من المفترض أن تكون جزءا من قاموس الطفولة: طابور التكية، طابور المياه، طابور الخبز. وتعلموا أيضا أصوات الحرب، حتى إن بعضهم يستطيع التمييز بين أنواع القصف والتخمين من شدة الانفجار ما إذا كان قد أوقع ضحايا.
‏
‏ومن بين هؤلاء الأطفال ابن شقيقي مهدي، الذي نناديه كمال، كان في الثالثة عشرة عندما غادرنا غزة، واليوم أصبح في السادسة عشرة.
‏
‏ثلاث سنوات مرت من عمره، وهي سنوات كان يفترض أن تكون مليئة بالدراسة والأصدقاء واللعب، لكنه كبر في ظروف جعلت حلمه الأساسي هو السفر.
‏
‏يقول لي "أريد أن أسافر. أريد أن أرى كيف يعيش الناس خارج غزة. أريد أن أركب طائرة وأرى العالم من فوق، وأذهب إلى مكان لا أخاف فيه من الصوت الذي يأتي من السماء."
‏
‏تعيدني كلماته إلى رحلتي إلى جنوب إفريقيا، حيث التقيت شقيقي أمير وزوجته وابنهما كمال. كانت تلك أول مرة أركب فيها طائرة وأول مرة أرى فيها مطارا.
‏
‏عندما رأيت كمال الصغير للمرة الأولى، لم يعرفنا. كيف يمكن لطفل أن يتعرف إلى عائلة لم يرها من قبل؟.
‏
‏قضينا شهرا معا في جنوب إفريقيا، ثم أحضرنا أمير وزوجته وكمال إلى القاهرة ليعيشوا معنا. لم تكن لدينا خطة واضحة للمستقبل، لكننا اخترنا أن نكون معا.
‏
‏أما كاميليا، ابنة شقيقي هادي في غزة، فتقول لي عبر الهاتف أحيانا وهي تبكي "اشتقت للبيت. اشتقت لأيامنا قبل الحرب. لماذا لم نعد نستطيع أن نعيش مثل الناس؟".
‏
‏لا تطلب كاميليا شيئا استثنائيا. كل ما تريده هو العودة إلى حياة كانت، قبل الحرب، تبدو أمرا طبيعيا.
‏
‏وأنا، عندما أنظر إلى حياتي اليوم، أجد أن أكبر خساراتي ليست الممتلكات فقط. فقدت أيضا الإحساس بأن ما أبنيه اليوم سيكون موجودا غدا.
‏
‏قبل الحرب، كنت أؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يعمل لسنوات، وأن يشتري بيتا وسيارة، وأن يبني مسيرة مهنية، ثم يخطط للخطوة التالية. كان المستقبل امتدادا طبيعيا للحاضر. أما الآن، فقد أصبح المستقبل سؤالا مفتوحا.
‏
‏ومن مكاني كصحفية ومواطنة فلسطينية، لا أستطيع أيضا تجاهل مسؤولية المسؤولين الفلسطينيين أنفسهم عن جزء من الواقع الذي وصلنا إليه. في رأيي، جعل الانقسام الفلسطيني، وما أنتجه من ضعف وعجز، الفلسطينيين أكثر هشاشة أمام ما تعرضوا له، فيما واصلت إسرائيل حربها عليهم.
‏
‏بعد ثلاثة أعوام، لا أعرف كيف ستنتهي هذه القصة. لا أعرف متى سيغادر راضي وأطفاله المخيم، ومتى سيتمكن كمال وعائلته من السفر وبناء حياة مستقرة، ومتى ستتوقف كاميليا عن البكاء عندما تتحدث عن بيتها.
‏
‏ولا أعرف متى سيتمكن زملائي في غزة من العمل دون أن يفكروا في احتمال أن يكونوا هم أو عائلاتهم الضحية التالية.
‏
‏ولا أعرف حتى متى سأتمكن أنا من النظر إلى المستقبل من دون أن أخشى أن أفقد ما أبنيه مرة أخرى.
‏
‏بعد ثلاثة أعوام، ما زلت لا أملك جوابا. كل ما أعرفه أن الفجوة بين الماضي والحاضر اتسعت إلى درجة يصعب معها العودة إلى ما كنا عليه، وأن المستقبل الذي كنت في السادس من أكتوبر 2023 أراه مفتوحا أمامي، أصبح اليوم مبهما.
‏وكالة شينخوا
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير