رواية «وتفتح الجوري» للكاتبة عبير جوابرة (رواية فلسطين)
جهينة نيوز -رواية «وتفتح الجوري» للكاتبة عبير جوابرة
(رواية فلسطين)
سليم النجار
شكّلت النظرية التي قدّمها أفلاطون في جمهوريته الجذر الأصيل للتفكير فيما هو جمالي، حين نظر إلى الفن باعتباره ممارسة تحاكي المظهر الحسي للأشياء في العالم، وهي بدورها محاكاة لحقيقة التاريخ. ويمكن تصوّر الكاتبة عبير ضمن هذا التصور الأفلاطوني، فالرواية تحاكي واقعًا فلسطينيًا يعرف من أين يبدأ؟ ومن أين ينتهي؟ هذان السؤالان مدخلان للرواية: «بمأساة إنسانية هي قتل طفل فلسطينيّ!» (ص 8).
تصنع الجوابرة السرد، لكنها لم تصنع الفكرة من خلق التاريخ كونه مبدأً مطلقًا، فيما الروائية ترسم السرد ولا تصنع الحقيقة القائمة على الأيام التي عاشها الفلسطينيون الذين لم تنقطع الحياة في أرضهم: «دع الأموات يقولون كلمتهم، ستقوم عليهم الأرض بما فيها من الأموات» (ص 10).
تمثل الرواية عالمًا حاضرًا قائمًا على أن المظهر الخارجي طارئ وزائف، وقائم على تمثيلية اجتمع عليها ناس لا يعرفون عن الأرض التي يغزونها دون علم أصحابها، متسلحين بأساطير وخرافات جاءت من مجاهل التاريخ: «طوابق الفلسطينيّين في الأعلى، قضيّتهم حيّة وهم فاعلون جدًّا في الهيئة، ستسعدين بالانضمام إليهم» (ص 19).
تمضي البلاغة التعبيرية في الرواية، التي سردتها الجوابرة عن شخصية صنعت تاريخ فلسطين، دون رتوش ولا مبالغة، فالمتلقي للسرد عن هذه الشخصية يأتي ضمن واقع مقاوم للمظهر الخارجي الذي جاء على منظومة أوهام: «وقف عبد القادر مرتديًا قمبازه الفلسطينيّ وشماغه المخطّط» (ص 31).
إن المشهد التصويري الذي رسمته الجوابرة للمكان، الذي يشكّل إرثًا خالدًا، غير قائم على أن هذا الموروث شكلًا متألقًا متنوعًا متآلفًا مع الأرض التي تستقبل المطر الذي يروي الأرض دون إذن مسبق، فالتاريخ الإنساني الذي طرّز المشهد للمكان لا يمكن نسيانه، والحوار كان أداةً للتعبير عن كل هذا الشكل الروائي:
«إنّه مسجد عمر بن الخطّاب، سأخبركَ قصّته لاحقًا.
– حسنًا، عرفتُ العمق المناسب لنغادر الآن.
– وظهرا كسهم مضيءٍ في السماء» (ص 43).
اعترضت الكاتبة عبير على فكرة أن الطارئين على هذه الأرض، الذين تسلّحوا بأوهام وأكاذيب اخترعوها من رحم الحقد من قِبل الأماكن التي يعيشون بها، فالكره لهؤلاء الطارئين في أماكن ولادتهم وعيشهم، فالحياة عندهم قائمة على أكاذيب استقبلها الغرب على أن هذه الأكاذيب حقيقة للتخلص منهم، لاعتبارات استعمارية. فلسطين كانت بوصلة، فالرواية بهذا المعنى لها القدرة على وصف حال الفلسطينيين الذين أصبحوا غرباء في أرضهم: «هل سمعت أخبار الجنّ التي تسكن جدار الفصل العنصريّ؟» (ص 56).
ويتبيّن لنا، من خلال رؤية الراوية من زاوية الحقيقة، أنها متعلقة بالتقنية المستخدمة لحكي القصة المتخيلة، وأن الذي يحدد شروط اختيار هذه التقنية دون غيرها هي الغاية التي تهدف لها الراوية: «مريم التي قُتلت أثناء هدم الجدار؟» (ص 81).
وتستخدم هذه الحكاية التي تبدو كلاسيكية، لكنها في حقيقة الأمر حكاية خفيّة عن الإنسان الباحث عن آدميته، بعيدًا عن غطرسة القوة وعنجهية السطوة، فكلاهما لا ينتجان حكاية مروية بقدر ما ينتجان أكاذيب تذوب في المقابر التي صنعوها، فالفلسطيني القبر عنده هو الحكاية، لا يفسر سبب وجود هذا القبر، بل يعتبر هذا القبر شهادة ميلاد متجددة للأرض التي تلد وتحبل بالحقيقة: «إذا حملتُ بنات فلسطين أحجار الذّاكرة كاملة، ووقفت حول عمود الكتاب ستحدث المعجزة» (ص 95).
تكون معرفة الراوية مساويةً للحكاية التي توصلت إليها عبر أزمات خلقها الطارئ القادم من أوهام التاريخ، فيقوم برفض إنسانية من يرفض هذا الوهم، ويضعه في قمقم صغير يمارس عليه أبشع أنواع التعذيب، حتى يتحول صاحب الأرض إلى رماد: «على جدار السجن» (ص 103).
التاريخ هنا ليس حكايةً طارئةً أو تبحث عن حقيقة ما، إنها الحقيقة ذاتها تصنع حجارتها من لحم أبنائها، وهذا الوعي ناتج عن إدراك أن هؤلاء طارئون سيرحلون عاجلًا أو آجلًا، فالرواية هي رواية أصحاب الأرض: «بأنّ التاريخ بدأ حولها وسينتهي بين يديها» (ص 130).
ستبقى حكاية الأصيل المتشبث بأرضه هي الأصل، وأي طارئ عليها هو ذاهب من هذه الأرض دون رجعة. التاريخ يشي بذلك، فأقوام كثر جاؤوا إلى هذه الأرض ورحلوا عنها، وبقي أصحابها حتى وهم تحت التراب، فالتراب خير دليل على أن الأرض لأصحابها الفلسطينيين: «وعاد عبد القادر لقبره في باب الحديد، وأضاف تاريخ المدينة الطّويل ما حدث لسجلّاته وطواه» (ص 62).
إن حضور الراوية في الرواية حضورٌ متفاعل وغير منحاز، فالحقيقة تكتبها الأرض ومن عاش فيها دون انقطاع منذ آلاف السنوات، ولم تنقطع الحياة فيها، وما رواية «وتفتح الجوري» للكاتبة عبير الجوابرة إلا شهادة ميلاد متجددة على أن الأرض ميلاد حاضر منذ ولادة البشرية.










