بحث في فرادنية العرب..
جهينة نيوز -سؤال أرقني كثيرًا: هل العربي في عمقه يميل إلى أن يكون فردًا أم يميل إلى أن يكون جزءًا من جماعة؟
إنه أشبه بسؤال أحجية، فالفرد هو اختراع أوروبي منذ الحداثة إلى اليوم، وظهر بظهور الرأسمالية وانتقال الناس من الريف إلى المدينة ووعي الفرد بذاته، منذ مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود». لاحظوا كلمة «أنا» التي تدل على الفردانية التي أطلقتها أوروبا في القرن السابع عشر، وأصبحت حقيقة واقعية اليوم.
لو عدنا إلى أصول العرب الأولى في الجزيرة العربية، فقد كانوا قبائل وعشائر وأفخاذًا بدوية تعيش في الصحراء، لا يستطيع الفرد أن يحيا بنفسه كفرد، ولكنه يعيش في عصبة «قبيلة أو جماعة» تحميه وتدافع عنه، لذا انتمى أغلب العرب إلى قبائل وربما إلى جماعات، وخاصة في غياب دولة تحميهم وتوفر لهم احتياجاتهم.
فأين الذات الفردية، وأين وعي الإنسان بذاته، إذا كان يفخر بقبيلته وبجماعته ومستعدًا أن يفديها بروحه وبماله؟ كما نعرف أن البدوي لم يكن يملك نوعًا من الخصوصية، فبيته خيمة مشرعة على الريح والشمس، ولا تحميه من عيون الآخرين، ولا يكاد يملك أرضًا ولا بيتًا ليقول إنه له وحده دون أن يشاركه فيه أبناء القبيلة أو أفراد عائلته الممتدة.
هنا تأتي نظريتي التي صغتها حول العربي الذي ينتمي بأصوله إلى البدو.
فالبدوي أكثر الناس اعتزازًا بقومه وبجماعته، ولم يعرف الخصوصية والملكية الخاصة في تاريخه الممتد منذ القدم، ولكنه أكثر الناس فردانية نفسية غير مُباح بها وغير مُعبَّر عنها، سوى شعرًا، ولا يلحظها عادةً من يتعرف عليه. فنقص الخصوصية والفردانية وعدم إتاحة الحياة للبدوي بحياة خاصة ومحمية من عيون الناس، جعله يبني عالمًا داخليًا خاصًا به في أغواره العميقة، مما جعله يظهر بمظهر الشخص الغامض الذي ليس من السهل أن يبوح بمشاعره، ولا تُعرف نواياه، فهو يُخفي تلك المشاعر والنوايا في أعماق ذاته الداخلية، ولا يعبّر عنها أمام الآخرين، وليس من السهل قراءتها ولا فهمها.
فالعربي في آخر المطاف فرداني، «أناني»، إلى حد بعيد الغور، وليس من السهل أن يهمل ضمن فريق ولا أن يبني شراكات مع الآخرين، ولا تُعرف بسهولة مشاعره ولا نواياه. وعندما يتصنع الغموض والوجه الغاضب، فلا يُعتبر ذلك إلا محاولة لحماية ذاته وخصوصيته الداخلية التي بناها عبر التاريخ ليحمي مشاعره وأناه الخاصة.
على علماء الاجتماع وعلماء النفس أن يعالجوا هذا النقص الخطير لدى الإنسان العربي في تعبيره عن نفسه، وفي عدم الخوف من إظهاره لتلك المشاعر، مهما كانت، ليستطيع الإنسان العربي التعبير عن نفسه بحرية وبراحة.
ملخص النظرية يقول: إن الإنسان العربي هو مثل بقية الناس، عرضت عليه بيئته الصحراوية البدوية أن يُحرم من الخصوصية والانتباه إلى ذاته، فأوجد ذاتًا أخرى في ذاته، وحماها بكل ما أتيح له من وسائل حماية، بحيث ألبسها لباسًا ثقيلًا وغامضًا، ومع مرور الزمن أصبح هذا اللباس سجنًا لتلك النفس الإنسانية، وتظهر عدم مقدرتها على التعاون والتكامل مع الآخرين، وخاصة إذا تطلبت حياة العصر ذلك الانفتاح والتعامل بين البشر بطريقة حرة ومفتوحة.
د. جورج الفار









