banner
كتّاب جهينة
banner

خيلنا خيل عربي.. نشمي عزيز نفس

جهينة نيوز -
د. حازم قشوع

كان العرب يعرفون الخيل من مواقفها، كما كانوا يعرفون الرجال من مواقفهم، فلم تكن أصالة الخيل عندهم مرتبطة بجمالها وقوتها وسرعتها فقط، وإنما بما تختزنه من عزة نفس وثبات ووفاء. وكانوا يتناقلون أن الخيل إذا تعرضت للمضايقه  في فترات الاختبار، ثم جاء وقت الطعام والشراب بعد صيام، فإن الهجين منها يذهب إلى العلف والماء، بينما يبقى الأصيل واقفاً حتى يأتيه صاحبه بسكر الاعتذار، في دلالة رمزية تقول إن الأصيل لا يستبدل كرامته بحاجته، ولا تمحو الإساءة عنه مجرد تقديم الطعام والشراب، وإنما ينتظر اعتذاراً يعيد للموقف اعتباره. ومن هنا جاء الفصل العربي بين الأصيل والهجين، فالأصالة ليست نسباً فقط، وإنما موقف يظهر عندما تأتي لحظة الاختبار.

وهذه الحكمة يمكن إسقاطها على السياسة، فالدول أيضاً تُعرف بأصالتها عندما تشتد عليها الضغوط. والأصيل سياسياً ليس من يختار المواجهة في كل وقت، ولا من يهرب منها، وإنما من يمتلك شجاعة الميدان وقدرة السياسة ومرونة الدبلوماسية في آن واحد. فهو قادر على الاشتباك الميداني عندما تُفرض المواجهة، وقادر على الاشتباك السياسي عندما تصبح السياسة ساحة للصراع، وقادر في الوقت ذاته على فتح الحوار والجلوس إلى طاولة التفاوض عندما يصبح الحوار طريقاً لحماية المصالح وصناعة السلام، دون أن يتحول التفاوض إلى تنازل عن الثوابت أو المساس بالكرامة.

وهنا تظهر قيمة الأصالة السياسية، لأن القوة ليست في إغلاق الأبواب، وإنما في القدرة على فتحها من موقع ثابت، والسلام ليس في التخلي عن القوة، وإنما في توظيفها لمنع الحرب عندما يصبح ذلك ممكناً. فالذي يعرف كيف يحمي موقفه في الميدان يكون أقدر على حماية مصالحه على الطاولة، والذي يمتلك شجاعة المواجهة يكون أكثر قدرة على صناعة التفاهم، لأن الطاولة السياسية لا تلغي الميدان، وإنما تأتي في كثير من الأحيان امتداداً له. فالحروب قد ترسم الوقائع، لكن الطاولات هي التي تقرر كيف تتحول هذه الوقائع إلى ترتيبات وحلول ومسارات جديدة.

ومن هنا يمكن قراءة الدور الأردني في الإقليم، فالأردن لم يكن دولة تبحث عن الاشتباك، لكنه لم يكن يوماً دولة تقبل بأن تُفرض عليها الوقائع. وقد جمع، بحكم موقعه ورسالة قيادته، بين قوة الموقف وقوة الجيش وقوة الدبلوماسية، فكان حاضراً في الميدان عندما يتعلق الأمر بأمنه وحدوده، وحاضراً في السياسة عندما يتعلق الأمر بمصالحه وقضاياه، وحاضراً كذلك على طاولات الحوار عندما تكون الحاجة إلى الحوار هي الطريق الأقرب لحماية المنطقة من اتساع دائرة الصراع.

وهذه المعادلة هي التي جعلت الأردن محط ثقة وعنوان رجاء، لأن الإقليم في أوقات الأزمات لا يبحث فقط عن الدولة الأقوى، وإنما عن الدولة التي يمكن الوثوق بثباتها عندما تتغير المواقف وتتبدل الحسابات. ولذلك فإن زيادة الضغط على الأردن لا تعني بالضرورة زيادة العبء عليه فقط، وإنما تكشف أيضاً حجم الثقة بالدور الذي يستطيع القيام به حتى في أحلك الظروف. فالدولة التي تستطيع أن تبقى ثابتة في قيمها، وفية في ولائها لرسالتها، واضحة في ثوابتها، وقادرة على الحركة بين الميدان والطاولة، تصبح جزءاً من صناعة الاستقرار لا مجرد طرف يتلقى تداعياته.

ومن هنا تأتي أهمية الأردن في هذه المرحلة، حيث تتقاطع أزمات الإقليم وتتشابك ملفات الأمن والطاقة والحدود وفلسطين، وتصبح الحاجة إلى دولة قادرة على حفظ التوازن الإقليمي وفتح مسارات الحوار أكبر من الحاجة إلى مزيد من ساحات الاشتباك.

والأصيل لا يعني أنه لا يتألم، وإنما يعني أنه لا يفقد نفسه تحت الألم، كما أنه لا يعني أنه لا يفاوض، وإنما يعني أنه لا يبيع كرامته في التفاوض. ولذلك فإن الحوار لا يكون ضعفاً، والتفاوض لا يكون تراجعاً، والسلام لا يكون استسلاماً، كما أن القوة لا تعني الحرب الدائمة. القوة الحقيقية هي أن تعرف متى تواجه، ومتى تفاوض، ومتى تفتح باب الحوار، وأن تبقى في الحالات الثلاث ثابتاً على قيمك، مخلصاً لولائك، وقادراً على حماية مصالحك.

وهذه هي خلاصة حكاية الخيل العربي: الأصيل لا يرفض الطعام، لكنه لا يقبل أن يكون الطعام بديلاً عن الاعتذار، ولا يرفض الطاولة، لكنه يريدها طاولة احترام واعتراف ومصالح متبادلة. وكذلك الدولة الأصيلة، فهي لا تغلق باب السلام، لكنها لا تدخل الطاولة من موقع الانكسار، ولا تذهب إلى الميدان بحثاً عن الحرب، لكنها لا تخشاه إذا فُرض عليها. وبين الميدان والطاولة تتشكل معادلة القوة الحقيقية؛ قوة تعرف كيف تحمي، وكيف تفاوض، وكيف تصنع السلام.

فخيلنا خيل عربي، نشمي عزيز نفس، أصيل في موقفه، ثابت في قيمه، راسخ في ولائه، شجاع في الميدان، وحاضر على الطاولة. ولذلك كلما اشتد عليه الضغط ازدادت الحاجة إليه، وكلما تعقدت الأزمة أصبح أكثر حضوراً، لأنه لا يمثل مجرد موقف عابر، وإنما يمثل عنوان ثقة ورجاء. ومن «هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة» تبقى الأصالة هي القدرة على تحويل القوة إلى سياسة، والسياسة إلى تفاوض، والتفاوض إلى سلام يحفظ الكرامة ويصون الحق.

وهذا ما يجعلنا نقول إن وطن النشامى سيبقى ثابتاً خلف الملك القائد، متمسكاً بالمبادئ والقيم التي جاءت من أردن الرسالة، ذلك الوطن الذي حمل رسالته على خيل عربي أصيل، وانطلق بها في بحر الضاد، ومضى من حاضرة بني هاشم حاملاً معنى الوفاء والرسالة، لتبقى الأصالة فيه نهجاً، والنشمية فيه موقفاً، والولاء فيه ثباتاً، والأردن فيه وطن رسالة لا تغيره الظروف ولا تبدل مواقفه الضغوط.

وقد عبّر خطاب الملك عبدالله  أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن هذه المعادلة بوضوح، حين جاء الخطاب حاملاً الموقف الأردني في قضايا المنطقة وفلسطين، جامعاً بين وضوح المبدأ ومسؤولية الموقف، وبين الدفاع عن الحق وفتح مسارات التفاهم. وقد حظي الخطاب بمتابعة واسعة عربياً ودولياً، وتداولت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أرقاماً كبيرة حول حجم مشاهدته، وصل حسب بعض القراءات إلى رقم 1.2 مليار مشاهدة، وهو رقم إذا ما تم إثباته سيكون الرقم الأعلى للجمعية العامة في تاريخ المشاهدات السياسية، لكن المؤكد أن الخطاب حظي باهتمام واسع وتفاعل كبير، بما يعكس حضور الأردن وصوت قيادته في لحظة إقليمية ودولية دقيقة.

وهنا تبدو صورة الخيل العربي أكثر وضوحاً وهو عزيز نفس، لا يبحث عن المواجهة، ولا يخشى الميدان، ولا يغلق باب الطاولة، لكنه يعرف أن الطاولة لا تكون ذات معنى إلا عندما تقوم على الاحترام والاعتراف والمصالح المتبادلة. إنه الأردن، خيل عربي أصيل، ثابت في موقفه، حاضر في ميدانه، متقدم على طاولته، يحمل رسالة وطنه بثقة، ويواصل السير من هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة، حيث تتحول القوة إلى سياسة، والسياسة إلى تفاوض، والتفاوض إلى سلام يحفظ الكرامة ويصون الحق.
إنه خيل عربي.. نشمي عزيز نفس.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير