حين تصبح الأغنام رجال إطفاء الغابات
جهينة نيوز -د. أيوب أبو دية
قد يبدو غريبًا أن نتحدث عن الأغنام والماعز باعتبارها وسيلة لمواجهة حرائق الغابات، في عصر نعتمد فيه على الطائرات والمروحيات والمركبات المتخصصة وأنظمة الإنذار والذكاء الاصطناعي, وفي حين منعنا الاغنام من الاقتراب من المدن.. لكن الطبيعة تذكّرنا أحيانًا بأن بعض الحلول القديمة قد تكون جزءًا من الإجابة عن مشكلات حديثة.
ففي جنوب أوروبا، حيث تتزايد موجات الحر والجفاف وتشتد حرائق الغابات، بدأت الأنظار تعود إلى ممارسة رعوية قديمة تُعرف باسم الرعي المتنقل أو الترحال الرعوي (Transhumance)، حيث تنتقل القطعان موسميا بين المراعي المنخفضة والمرتفعات. وهذه الممارسة، التي سبقت قيام روما بآلاف السنين، لا تحافظ على تراث ثقافي فحسب، بل تؤدي وظيفة بيئية مهمة.
فعندما ترعى الأغنام والماعز في مساحات واسعة، فإنها تلتهم الأعشاب والشجيرات والنباتات الجافة التي يمكن أن تتحول، في فصل الصيف، إلى وقود سريع الاشتعال. كما أن حركة القطعان ودوسها للنباتات تساهم في خلق مساحات أقل كثافة بالنباتات، يمكن أن تعمل كمناطق طبيعية للحد من انتقال النار. وهكذا يصبح القطيع، بصورة غير مباشرة، أشبه بفرقة إطفاء تتحرك في الغابة قبل اندلاع الحريق، لا بعده.
المفارقة أن الإنسان الحديث ساهم في اختفاء هذا الحل الطبيعي. فقد أدى هجر الريف وتراجع المهن الرعوية التقليدية إلى ترك مساحات واسعة من الأراضي من دون إدارة، فتراكمت الأعشاب والشجيرات الجافة، وتحولت بعض المناطق إلى ما يشبه مستودعات هائلة للوقود. وفي الوقت نفسه، أدت الزراعة المكثفة والرعي المفرط في بعض المناطق إلى مشكلات بيئية أخرى. ولذلك لا تكمن الفكرة في إطلاق أعداد كبيرة من الحيوانات عشوائيًا، وإنما في الرعي المنظم والمتحرك والموسمي الذي يوازن بين حاجة الأرض وحاجة الحيوانات.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: الرعاة أنفسهم أصبحوا مهددين بالانقراض المهني. فالمهنة شاقة، والدخل غير مضمون، والمساحات المفتوحة تتراجع أمام الملكية الخاصة والأسوار والطرق الحديثة، كما أن أنظمة الدعم الزراعي لا تعطي دائمًا الرعي المتنقل ما يستحقه من تقدير. وتشير التجربة الأوروبية إلى أن إنقاذ الرعي التقليدي قد يكون أقل كلفة من بعض عمليات إزالة النباتات الجافة ميكانيكيًا، فضلًا عن فوائده في حفظ التنوع الحيوي والثقافة الريفية.
والدرس لا يخص أوروبا وحدها. ففي بلادنا العربية عرفت البادية والجبال منذ القدم أنماطا من التنقل بالرعي مرتبطة بالمواسم والمياه والغطاء النباتي. ومع تغير المناخ وازدياد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ربما يجدر بنا أن نعيد النظر في هذه المعرفة التقليدية، لا بوصفها بقايا من الماضي، بل باعتبارها خبرة بيئية يمكن تطويرها بالعلم الحديث.
لقد اعتدنا أن نبحث عن الحلول في التكنولوجيا وحدها: طائرات، أقمار صناعية، كاميرات، طائرات مسيّرة، وخوارزميات للتنبؤ بالحرائق. وكلها أدوات مهمة. لكن الوقاية قد تبدأ أحيانًا من شيء أبسط بكثير: قطيع أغنام يتحرك في المكان والوقت المناسبين، بإشراف راعٍ يعرف الأرض وتحت اشراف مراقب الزراعة.
إن مواجهة تغير المناخ لا تعني أن نرفض التكنولوجيا، بل أن نعيد اكتشاف ما كانت الطبيعة والمجتمعات المحلية تعرفه قبلنا. وربما يكون المستقبل البيئي الأكثر ذكاءً هو الذي يجمع بين أحدث التقنيات وأقدم الخبرات.
فالأغنام لا تطفئ النار حين تشتعل؛ لكنها قد تساعدنا على منعها من أن تجد ما يكفي من الوقود كي تنتشر.










