رؤية الملك والتحديث السياسي
جهينة نيوز -البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
تخيّل مريضًا يزور طبيبه كل أسبوع، ومهما كانت نتيجة الفحص، يخرج الطبيب مبتسمًا ليقول للجميع: "كل شيء ممتاز"، لأن التشكيك في التشخيص "لا يليق". يبدو المشهد عبثيًا، لكنه يشبه إلى حد بعيد ما نراه أحيانًا في المشهد الحزبي: يصدر قرار حكومي، وقبل أن يجف حبره، تتسابق بعض الأحزاب إلى تبريره، بل التصفيق له إعلاميًا أكثر من الحكومة نفسها، بينما تنتقده هي نفسها في الجلسات الجانبية، بصرف النظر عن مضمونه أو نتائجه. وهكذا لا يعود السؤال: هل القرار صحيح، وما أثره؟ بل يصبح: من كان الأسرع في تأييده؟
والمفارقة أن جلالة الملك، حين أطلق رؤية التحديث السياسي، لم يكن يبحث عن جوقة تصفيق، بل عن أحزاب تشبه ذلك الطبيب النادر الذي يقول للمريض الحقيقة حتى لو لم تكن مريحة. كان الطموح أن يتشكل مشهد حزبي حيّ، فيه من يحكم فيتحمل مسؤولية برنامجه، ومن يعارض فيراقب وينتقد بالدليل ويقترح البديل، لا مشهد تتشابه فيه الأصوات حتى تبدو نسخة واحدة معاد تدويرها. فالمعادلة في جوهرها بسيطة: إما أن يشارك الحزب في الحكومة فيتحمل مسؤولية برنامجه ويصحح أخطاءه من الداخل، أو يبقى خارجها فيمارس دور الرقيب الذي يكشف الخلل ويقترح البديل. وفي الحالتين، الحزب فاعل سياسي له موقف، لا كتلة صامتة تنتظر التوجيه.
والمشاركة في الحكومة تحقق انسجامًا بين الخطاب الانتخابي والفعل الحكومي، وتجعل الناخب أقدر على تحديد من يتحمل مسؤولية القرار ونتائجه. لكنها تحمل فخًا خطيرًا إذا تحولت من شراكة برنامجية إلى دعم غير مشروط. فالحزب المشارك لا يفقد استقلاله بدخوله الحكومة، بل يصبح مطالبًا بأن يكون صوتًا سياسيًا داخلها، يدافع عن الإنجاز الحقيقي ويعمل على تصحيح الخلل من الداخل، لا أن يبرر كل ما يصدر بقناعة او بدون قناعة. فالفريق المتماسك ليس من يتفق على كل شيء، بل من يناقش كل شيء قبل أن يتفق عليه، ويبداء العمل معًا على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، للوصول إلى نتائج تخدم الدولة بكل مؤسساتها ومواطنيها.
أما الحزب الذي يبقى خارج التشكيلة الحكومية، فلا يعني ذلك أن يتحول إلى مقعد للتفرج أو منصة للرفض الجاهز. المعارضة الحقيقية تؤيد ما تراه صائبًا بالحجة، وترفض ما تراه خاطئًا بالدليل والبديل، وتراقب الأداء وفق برنامج ومعايير واضحة. وهذه ليست رفاهية سياسية، بل آلية تمنع الحكومة من الوقوع في الرضا عن الذات، وتُبقي النقاش العام متصلًا بقضايا الناس الفعلية لا بالاصطفافات.
لكن المشكلة أعمق من مجرد العلاقة بين الحكومة والأحزاب؛ فهي تتصل بطبيعة الخطاب السياسي نفسه. فما زالت حاضرة في خطابات البعض ملامح من خطاب الأحزاب الشمولية القديمة، حيث تختزل بعض الاحزب في صوت واحد، وكأن القاعدة هي "لا ترون إلا ما أرى، ولا تسمعون إلا صوتي"، بغض النظر عن نبرته الموسيقية.
وهنا تكمن مفارقة لا يجوز تجاهلها: كيف تطالب بعض الاحزب المجتمع بالتعددية بينما لا تمارسها في داخلها؟ وكيف تطالب بأن تكون شريكًا في صناعة القرار الوطني بينما يختزل قراره في إرادة فرد أو دائرة ضيقة حوله؟ فالحياة الحزبية لا تصبح ديمقراطية بتعدد الأسماء، بل حين تتعدد داخلها الأفكار ويصبح الاختلاف وسيلة للقرار لا تهديدًا للقيادة الحزبية. وهذا يقترب من تمييز المفكر الإيطالي جيوفاني سارتوري بين التعددية الحقيقية القائمة على تنافس أفكار متمايزة، والتعددية الشكلية التي تُبقي عددًا كبيرًا من الأحزاب دون أن تنتج تنوعًا حقيقيًا في المضمون. فالمشكلة ليست كم حزبًا لدينا، بل ماذا تضيفه هذه الأحزاب، وماذا يستطيع المواطن أن يختار عند صندوق الاقتراع.
ومن هنا يظهر الفرق بين نوعين من الأحزاب: أحزاب ذات برنامج وفكر واضحين تقول "نعم" و"لا" بالمعايير نفسها بصرف النظر عمن يصدر القرار، وأحزاب تتحول علاقتها بالحكومة إلى تأييد دائم، فتؤيد القرار وتبرر التأخير وتغيب حين يستدعي الموقف نقدأً او مساءلة. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: موقف مسبق يحل محل التفكير السياسي، لأن كليهما يعفي نفسه من المهمة الأصعب، وهي دراسة القرار وتحديد مواضع القوة والخلل فيه.
ولعل التعليم هو الاختبار الأكثر وضوحًا لقدرة الأحزاب على الانتقال من الكلام إلى العمل البرنامجي. فقد شهدت المنظومة التعليمية في السنوات الأخيرة، لا بل خلال الاسابيع الاخيرة، قرارات متلاحقة ومتراجعة وتبريرات غير مقنعة، من تعديل الحقول في المرحلة الثانوية إلى إعادة تشكيل الثانوية العامة وامتحاناتها، مرورًا بالقلق حول القبول الجامعي والتخصصات وسوق العمل، وإرهاق الطلاب وأسرهم ومؤسسات الدولة نفسها. ومع ذلك، لم يظهر حضور حزبي مؤسسي يواكب حجم القضية عبر جلسات متخصصة وأوراق سياسات ودراسات أثر وبدائل تجيب عن السؤال الأهم: لماذا وصلنا إلى هذا المستوى، وكيف نخرج منه ضمن خطة إصلاح وطنية يقودها حزب ما؟ فقد كان يُفترض أن تقدم الأحزاب نماذج تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند الجامعة وسوق العمل: تحليل البيانات، والتنبؤ باحتياجات الاقتصاد، وتحديد الطاقة الاستيعابية، وربط المسارات التعليمية بالطلب المتوقع على المهن، ووضع مؤشرات واضحة لقياس جودة التعليم ومخرجاته. أما ترك القضية للتصريحات والمعالجات الآنية، ثم التوسع لاحقًا في القبولات الجامعية لتخفيف ردة الفعل، فهذا يعني معالجة نتائج القرار الخاطئ أكثر من معالجة أسبابه، كما بدا واضحًا في التوسع في مقاعد الطب بعد الحديث سابقًا عن الالتزام بأعداد مقررة. وهنا يصبح السؤال أكبر من عدد مقاعد: هل لدينا أصلًا نموذج وطني يحدد منذ المدرسة عدد الطلبة الذين نحتاجهم في كل مسار وفق توقعات الاقتصاد وسوق العمل، أم أننا ننتظر الأزمة ثم نبحث عن إجراء سريع لاحتوائها؟ هنا تحديدًا ينبغي أن يظهر دور الحزب: الانتقال من التعليق بعد صدور القرار إلى إنتاج البدائل قبله، ومن الشعارات إلى خطط لها أهداف ومؤشرات وكلف زمنية واضحة؛ أما أن نترك القضية للقرارات المتتابعة والتصريحات والتبريرات والمعالجات الآنية، ثم نعود لاحقًا إلى التوسع في القبولات الجامعية لتخفيف ردود الفعل، فنحن بذلك نعالج نتائج القرار الخاطئ أكثر مما نعالج أسبابه. فالتعليم لا يُدار بمنطق إطفاء الحرائق، لأن الخطأ الذي نرتكبه في المدرسة اليوم سندفع ثمنه في سوق العمل والاقتصاد بعد سنوات قليلة. فالتعليم قضية تحدد مستقبل الدولة الاردنية.
والأمر ذاته ينطبق على الوعود الحكومية؛ فحين تطلق الحكومة برامج تحمل وعودًا كبيرة، لا ينبغي أن يكون السؤال كيف نصفق للوعد، بل كيف سنقيسه، وما المؤشر الذي يحدد نجاحه، ومن يحاسب إذا لم يتحول إلى نتيجة، ومن يتحمل مسؤولية الإنفاق إذا لم يتحقق الإنجاز؟ وهذه الأسئلة ليست خصومة مع الحكومة، بل جزء من حمايتها من القرارات غير المدروسة، وحماية المال العام من أن يتحول الإنفاق إلى غاية بدل أن يكون وسيلة لنتائج قابلة للقياس.
وفي المقابل، تظهر مواقف حزبية تذهب إلى الطرف الآخر: معارضة كل شيء تقريبًا، بحيث يصبح الرفض موقفًا ثابتًا لا نتيجة لدراسة القرار. وهذا لا ينقلنا من مشكلة التصفيق إلى ممارسة سياسية ناضجة، بل من موقف آلي إلى موقف آلي آخر يستند إلى أيديولوجيا أو رغبة في استمالة الشارع؛ فالمعارضة التي ترفض كل شيء لا تختلف في جوهرها عن الموالاة التي تؤيد كل شيء. والاستقلال السياسي لا يعني أن يكون الحزب دائمًا مع الحكومة، كما لا يعني أن يكون دائمًا ضدها، بل أن يمتلك معيارًا يسبق موقف الحكومة ويبقى ثابتًا مهما تغيرت المواقع والأشخاص. عندها فقط يصبح الموقف تعبيرًا عن قناعة وبرنامج، لا انعكاسًا لموقع الحزب من السلطة.
وهذه ليست مسألة أردنية خالصة. ففي بعض الدول الإسكندنافية، لا تُختبر شرعية الحزب بقربه من السلطة، بل بقدرته على إنتاج معرفة سياسية دقيقة والدفاع عنها عبر دورات حكومية متعاقبة، عبر لجان برلمانية مضادة وتقارير ظل وبرامج بديلة جاهزة للتطبيق فور تغير موازين القوى. وفي سنغافورة، ارتبطت شرعية الحكم بدرجة كبيرة بالكفاءة الإدارية والتكنوقراطية وجودة الخدمات ومكافحة الفساد أكثر من ارتباطها بالخطاب وحده، ولم تكتسب المعارضة تأثيرًا حقيقيًا إلا حين قدّمت نقدًا تفصيليًا وبدائل قابلة للاختبار؛ فحين يتحول التصفيق إلى بديل عن الكفاءة، تصبح التعددية شكلًا بلا مضمون، ويصبح المواطن مستهلكًا للرسائل السياسية بدل أن يكون حكمًا عليها. أما اليابان، فقد هيمن الحزب الليبرالي الديمقراطي على الحياة السياسية لعقود، ليس لغياب المعارضة، بل لعجزها عن تقديم بديل برنامجي متماسك، فتحولت المنافسة الفعلية إلى صراع أجنحة داخلية. وهذا يذكّرنا بما كتبه صمويل هنتنغتون عن أن استقرار الأنظمة لا يرتبط بغياب الأزمات، بل بقدرة مؤسساتها على استيعاب التغيير والاختلاف قبل أن يتحول إلى صدام. والمغزى من هذه التجارب ليس استنساخ أي منها، بل إدراك أن شكل النظام الحزبي يختلف من دولة إلى أخرى، بينما تبقى الحاجة إلى أحزاب تمتلك معرفة وبرامج وقدرة على المساءلة حاجة مشتركة.
ومن هنا يمكن فهم الرهان على الحزبية البرامجية في رؤية التحديث السياسي: ليست ترفًا ديمقراطيًا ولا وسيلة لإعادة توزيع المقاعد، بل جزء من بناء دولة قادرة على إنتاج السياسات ومراجعتها وتصحيحها. فالدولة التي لا تسمع إلا صوتًا واحدًا قد تبدو أكثر هدوءًا، لكنها قد تكتشف متأخرة أنها لم تسمع إشارات الخطر. وهذا ما يفسر لماذا راهنت رؤية جلالة الملك على الحزبية البرامجية كصمام أمان استراتيجي، لا كترف ديمقراطي قصير الأمد.
وهنا تظهر المفارقة الأردنية بوضوح: الرؤية الملكية تتطلع إلى حياة حزبية برامجية ومعارضة تمتلك أدوات الرقابة والبديل، بينما لا يزال ما يراه المواطن، في بعض صوره، أقرب إلى السياسة القديمة: اصطفافات وشخصنة ومواقف مسبقة، تصفيق من جهة ورفض مسبق من جهة أخرى. وهذه المسافة تستحق المراجعة لا الإدانة، لأن نجاح التحديث السياسي لا يُقاس بعدد الأحزاب ولا بعدد بياناتها ومؤتمراتها، بل بقدرتها على تغيير طريقة ممارسة السياسة نفسها. فإذا بقي الحزب أسير الزعيم أو أسير الخوف من مخالفة الحكومة، فلن يغيّر تغيير الاسم والهيكل جوهر الممارسة، ولن يجدي تأجيل هذه المراجعة بحجة "عدم نضوج التجربة"، فالتجارب السياسية لا تنضج بالانتظار، بل بالنقد والمراجعة والاعتراف بالخطأ والتعلم منه.
لذلك ينبغي أن تسأل الأحزاب نفسها بصدق: هل تمتلك برنامجًا حقيقيًا يميزها؟ هل تستطيع أن تقول للحكومة "أحسنت" حين تصيب و"أخطأت" حين تخطئ، وأن تشرح للناس لماذا؟ هل تمتلك بدائل قابلة للتنفيذ، أم ينتهي خطابها عند التأييد أو الرفض؟ وفي المقابل، تحتاج الحكومة إلى النظر إلى النقد الحزبي الجاد باعتباره جزءًا من صناعة القرار لا خصومة سياسية، كما تحتاج البيئة السياسية إلى تمكين الأحزاب من النمو على أساس البرامج والأفكار، لا على أساس القرب من السلطة أو القدرة على رفع الصوت.
فالتحديث السياسي ليس محطة تصل إليها الدولة ثم تتوقف، بل مسار طويل يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والحزب والحكومة. والحزب الحقيقي ليس من يصفق دائمًا، ولا من يعارض دائمًا؛ بل من يملك الشجاعة ليقول "نعم" حين تستحق السياسة التأييد، و"لا" حين تستدعي المصلحة العامة الرفض، ويملك في الحالتين القدرة على شرح موقفه بالدليل والبديل.
وفي النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أن الأحزاب لم تفهم رؤية التحديث السياسي، بقدر ما تكمن في أن المواطن لم يرَ بعد الأثر الذي وعدته به تلك الرؤية. فالدولة لا تحتاج إلى أحزاب تقول لها دائمًا إنها بخير، بل إلى أحزاب تعرف أين هي بخير وأين هي ليست كذلك، ولماذا وماذا ينبغي أن تفعل؛ ولا تحتاج إلى مئات الأصوات إذا كانت تردد الجملة نفسها، بل إلى أصوات مختلفة ومسؤولة، تختلف دون خصومة وتؤيد دون مصلحة وتعارض دون مزايدة. فأخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن تختلف الأصوات، بل أن تتشابه حتى لا يعود أحد قادرًا على تمييز الحقيقة من الصدى. وعندما يردد الجميع الصوت نفسه، يصبح السؤال الأهم ليس: من معنا؟ بل: من بقي قادرًا على أن يقول لنا ما لا نريد أن نسمعه؟ ففي السياسة، كما في الطب، ليس أخطر ما يصيب المريض طبيبًا يخطئ في التشخيص، بل طبيبًا يرى الخطأ ويعرفه، ثم يبتسم ويقول: "كل شيء ممتاز".









