مثلث التخلف، كيف يقتلنا؟
يسمى الجهل والفقر والمرض مثلث التخلف، ومع أننا أدرى الناس بمفهوم نسبية التقدم والتخلف، إلا أن هذا المثلث يحيط بالبيئات الفقيرة، ومن ثم الجاهلة والمريضة، ليجعل حياتها شبه جحيم على الأرض، وليس سهلاً الفكاك منه.
يجد كثير من العرب أنفسهم سجناء داخل هذا المثلث المشؤوم، دون دراية أو وعي منهم، وقد بُذلت جهود قليلة من قبل الدول والحكومات في العالم العربي للتخلص من هذا المثلث الذي يخنق في داخله عددًا كبيرًا نسبيًا من مواطنيهم، فإذا كانت الإحصاءات السابقة حول الأمية ما زالت إلى اليوم، أي ٦٠٪ من النساء أميات في الوطن العربي و٤٠٪ من الرجال، فالأمر كارثي بكل ما في الكلمة من معنى، فقاعدة هذا المثلث هي الجهل، أي الأمية، تتبعها الأمية العلمية والثقافية والإلكترونية، وعندما لا تهتز هذه القاعدة ولا يُقضى على الأمية بشكل كامل، ينبت الضلع الثاني للمثلث، أي الفقر، فأهم أسباب الفقر في عالم اليوم، عالم العلم والتقدم، هو الأمية والجهل، فالأمي والجاهل غير منتجين، أما المرض فهو ثالث أضلاع المثلث ومكمل له، فالجاهل والفقير لا يسعه أن يعرف مرضه ولا كيف يتعالج منه، وبغياب النظافة والسلوك الصحي والعلمي يتفاقم المرض وينتشر.
صحيح أن تقدمًا قد حصل على مستوى التعليم ومحو الأمية، وحصل تقدم على المستوى الصحي، وخاصة في قلة نسبة الموت لدى الأطفال، ولكن إذا لم يزل الجهل من الوطن العربي، في عصر العلم والمعرفة، سيؤدي ذلك إلى عودة أضلاع المثلث الأخرى، فمهما احتمينا بفلوس البترول والنفط، سينضب مخزون هذا النفط يومًا، ونعود لنعاني من المشكلة الأصلية، وهي الفقر.
في مقابل مثلث التخلف، هناك مثلث آخر معاكس له، تعيش فيه كثير من دول العالم المتحضر، وتسعى إليه الدول النامية، هو مثلث العلم والمعرفة والازدهار، وقد أثبت جدواه وانتشل كثيرًا من الدول النامية والفقيرة من حالة العجز والتخلف التي كانت تعيش فيها، مثل: الصين، وماليزيا، وإندونيسيا، وكوريا، وسنغافورة، وأيرلندا، وحتى هولندا.
تبدأ العملية كلها من خلال رفع مستوى التعليم العلمي والتكنولوجي بإصرار ومتابعة حثيثة، وبعد أقل من عقدين من الزمن يتغير واقع هذه الدول لتنافس على المستوى العلمي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
هذه وصفة مجربة وناجحة، لكن أيًا من الدول العربية لم يجرّبها، ولا يفكر فيها إلى الآن.
حان الوقت لنستفيد من هذه التجارب العالمية، على أن لا ننسى أن تطبيق القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان هي الأرض التي تنبت فيها هذه التجربة وتعطي ثمارًا يانعة.
د. جورج الغار










