banner
كتّاب جهينة
banner

حين تُستعمل الأسماء ستارًا للابتزاز

{clean_title}
جهينة نيوز -

بقلم: الدكتورة ايمان الشمايله

ثمة أفعالٌ لا تبدأ بصوتٍ مرتفع، ولا تُعلن عن نفسها في وضح النهار؛ تبدأ باسمٍ يُذكر في غير موضعه، وتسجيلٍ يُستخرج من سياقه، وكلمةٍ تُمرَّر في الظل، ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا، حتى يجد إنسانٌ نفسه داخل حكايةٍ لم يكتب سطرًا منها، ولم يمنح أحدًا حقَّ الزج باسمه فيها.
وحين تُستعمل الأسماء وسيلةً للوصول إلى مالٍ أو ملكٍ أو مصلحة، وحين تتحول التسجيلات إلى أوراق ضغطٍ في أيدي من يريدون انتزاع ما ليس لهم، فإن المشهد يستحق أن يُقرأ من بدايته، لا من آخره. فليس العبرة بمن ظهر في التسجيل، ولا بمن ذُكر اسمه، وإنما بمن أمسك بالخيط الأول، ومن حرّكه، ومن أراد أن يجعل من خصوصيات الناس معبرًا إلى غايته.
فالاسم أمانة، والصوت خصوصية، والإنسان ليس مادةً خامًا لمعارك الآخرين. ومن يزج باسم امرأة أو رجل في واقعةٍ دون علمه، ثم يبني على ذلك طلبًا أو ضغطًا أو منفعة، لا يصنع حقًا؛ بل يصنع حول نفسه دائرةً من الأسئلة التي لا تُجاب بالضجيج.
وما أخطر أن يتحول الإنسان إلى أداةٍ في يد غيره؛ يُكلَّف بالتسجيل، أو جمع الأسماء، أو نقل المقاطع، أو إعادة تداولها، ثم يُخيَّل إليه أن دوره ينتهي عند لحظة التنفيذ. فالمشهد لا يُقرأ بمن حمل الأداة وحده؛ بل بمن أمر، ومن حرّض، ومن خطط، ومن أراد للنتيجة أن تصل إلى غايةٍ محددة.
وهنا ينبغي ألا يخدعنا بريق التفاصيل. فقد تكون أمامنا أسماءٌ كثيرة، وأصواتٌ كثيرة، ورسائلٌ كثيرة، لكن الحقيقة قد تكون مختبئةً في سؤالٍ واحد: لماذا جُمعت هذه المواد أصلًا؟ ولمن كانت تخدم؟
ذلك هو السؤال الذي يبدد الضباب.
فالابتزاز لا يستمد قوته من الحقيقة، وإنما من الخوف من انتشارها. وحين يدرك من يتعرض للضغط أن الحقيقة لا تُقاس بعلو التهديد، وأن القانون لا يزن الوقائع بميزان الخوف، يسقط جزء كبير من الوهم الذي يحاول المبتز أن يصنعه حول نفسه.
وليس كل من ظهر في مشهدٍ شريكًا فيه، ولا كل من ورد اسمه طرفًا في قصته، ولا كل تسجيلٍ متداول دليلًا على ما يريد صاحبه أن يثبته. بين الواقعة وتأويلها مسافة، وبين الاسم والفعل مسافة، وبين من نُسب إليه الأمر ومن دبّره مسافة لا يختصرها الكلام.
ومن هنا تأتي خطورة العبث بأسماء الآخرين؛ لأن الإنسان قد يُستعمل اسمه في طريقٍ لم يسلكه، وقد يُستعار صوته لمعركةٍ لم يخترها، وقد يُستحضر وجوده لتجميل غايةٍ لا علاقة له بها. وحين يحدث ذلك، يصبح كشف الحقيقة واجبًا لا يقوم على الصراخ، وإنما على تتبع الخيط حتى مصدره.
إن من أراد مصلحةً بحق، فليدخل إليها من بابها؛ فالحقوق لا تحتاج إلى أقنعة، والأملاك لا تُسترد بالتهديد، والمطالب المشروعة لا تحتاج إلى صناعة الخوف حول الآخرين.
أما حين يصبح التسجيل سلعة، والاسم ورقة ضغط، والخصوصية طريقًا إلى منفعة، فإن السؤال يتغير: لم يعد السؤال فقط عمن نُشر عنه أو نُسب إليه، بل عمن صنع المشهد وأراد للآخرين أن يدفعوا ثمنه.
وفي النهاية، قد يظن بعضهم أن الستار يحجب ما وراءه، غير أن الستائر الثقيلة لا تمنع الضوء من الدخول؛ بل تجعل الخط الفاصل بين الظل والحقيقة أكثر وضوحًا.
فلا تخافوا من الاسم الذي يُلوَّح به، ولا من التسجيل الذي يُستعمل للضغط؛ دعوا الوقائع تُفحص، والأدوار تُكشف، والمسؤوليات تُحدَّد.
لأن من يجعل أسماء الناس ستارًا لغايته، قد يكتشف أن الستار نفسه صار دليلًا على الطريق الذي سلكه.
فالحق لا يحتاج إلى ابتزاز كي يُؤخذ، ومن احتاج إلى ابتزاز الآخرين للوصول إليه، فعليه أولًا أن يفسّر لماذا لم يستطع أن يصل إليه من بابه.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير