ضوضاء الشوارع: الزامور ومضخمات الصوت.. إرهاب سمعي بغطاء قانوني غير مفعل
الأولوية للمخالفات السهلة التي تصطادها الكاميرات، والزامور والسماعات ظاهرة تتطلب علاجا
عبد الرحمن أبو حاكمة
اذا كانت ظاهرة استخدام الزوامير وأبواق السيارات خاصة في ساعات الليل المتأخرة تعتبر مشكلة شائعة في العديد من المدن، بما في ذلك العاصمة عمان تؤثر سلبًا على راحة السكان وتزيد من خطر الحوادث، وتعكس غياب الوعي والاحترام لحقوق الآخرين في الاستمتاع بالهدوء، فانها في الأردن باتت مؤرقة، حيث أصبح الصبر على الضجيج بطولة يومية، فما ان يخرج من بيته يصطدم بجدار من الزوامير، اما ليلاً فلا يخلو الامر من الاستماع لإيقاع "بازوكا" سيارة مستهترة.. لتتحول بعض الشوارع إلى ساحات تعذيب سمعي، في ظل وجود قانون موجود لكن تفعيله يبدو قليلا.
الزامور.. وباء بلا رادع
في غالبية دول العالم المتحضر، فان الزامور للطوارئ فقط، فان تم استخدامه مرة بلا سبب، تدفع مبلغا وقدره كمخالفة في حين انه في عمان، أصبح لغة فما ان تتوقف الإشارة حمراء لاقل من دقيقة، تسمع عشرات الزوامير، وما ان يوقف شرطي السير لتنظيم دوار مزدحم، يقابل بعاصفة زوامير لا تتوقف.
وبالرغم من ان القانون واضح حيث تعتبر المادة 31 من قانون السير "استعمال المنبه أو النغمات الموسيقية أو مكبرات الصوت بصورة مزعجة" مخالفة صريحة، تستوجب العقوبة والغرامة "استخدام منبه بشكل مزعج" تتراوح بين 15 – 30 ديناراً.
ليس "تنفيس".. بل اعتداء
30 ديناراً فقط ... هذا هو ثمن إزعاج حي او حارة، وإفزاع مريض قلب، وإيقاظ أطفال.. ليبقى السؤال حائرا: أين التطبيق؟ كم مخالفة "زامور" حُررت الشهر الماضي او الشهور الماضية في عمان؟ وهنا تغيب الأرقام، لأن الأولوية للمخالفات السهلة التي تصطادها عشرات بل مئات الكاميرات المنتشرة في شوارع العاصمة وميادينها.
وهنا لا بد من النأكيد ان الزامور العشوائي ليس "تنفيس".. بل يمكن وصفه باعتداء يرفع الضغط، يشتت التركيز، ويمكن ان يتسبب بحوادث لأن السائق المتوتر يتصرف بردة فعل.
المضخمات.. حفلات تعذيب ليلية
وهنا الكارثة أكبر.. فبعض المركبات تتحول لملاهٍ ليلية متحركة.. شباب طائش يركبون "بازوكا" وسماعات بقوة مئات الواط، ويجوبون الأحياء السكنية بعد منتصف الليل دون مراة ان هناك مريضا، مسنا، أو طالب علم، أو طفل رضيع ليصبح كل هؤلاء رهائن لمزاج سائق مستهتر يضرب عرض الحائط بقانون هنا تحديدا أكثر صرامة، ينص على ان مخالفة مكبرات الصوت المزعجة تجرمها المادة 31 أيضا صراح، في حين ان تركيب مضخم على العادم جريمة بحد ذاتها عقوبتها حسب التعديلات: الحبس مدة لا تقل عن أسبوعين ولا تزيد على شهر، أو بغرامة لا تقل عن 50 ديناراً ولا تزيد على 100 دينار، وتضاعف عند التكراروهنا يجب التذكير بان مديرية الأمن العام حذرت مرارا أنها ستتعامل "بحزم وجدية" مع الشكاوى، وقد تصل العقوبة الى الحبس، القرار أو بالغرامة 50 إلى 100 دينار، لكن لا بد هنا من شكوى ورقم سيارة مستهترة.. فالدورية او سيارة الشرطة قد تمر ليلاً بجانب سيارة تهتز منها البناية وسكانها، ولا يحدث شيء، فالتطبيق غالباً قد يغيب اذا لم تسجل شكوى.
أرقام صادمة والمشكلة تتفاقم
رغم أن أرقام مخالفات "الزامور" غير منشورة بشكل منفصل، إلا أن ملف التلوث السمعي ككل يكشف الحقيقة، فاذا كانت وزارة البيئة قد أعلنت أن مخالفات إلقاء النفايات العشوائية من المركبات بلغت 6162 مخالفة خلال شهرين ونصف فقط بين تموز وتشرين الأول.. واذا كان هذا رقم مخالفة "كبّة من الشباك"، فلك ان تتخيل حجم مخالفات الزامور والسماعات التي لا تحتاج حتى لإيقاف المركبة لتحريرها، بالتأكيد هي أضعاف مضاعفة، لكنها غير مُحررة.
حقائق مرة .. وقرارات لا بد منها
وتشير البيانات إلى أن العنصر البشري هو المسبب الرئيسي للحوادث حيث أظهرت إحصائيات عام 2024 أن السائقين تسببوا في 97.1% من مجموع حوادث الإصابات البشرية ، وارتفع عدد الحوادث المرورية من 122,970 حادثاً عام 2020 إلى 190,175 في 2024، مع تسجيل 11,950 حادثاً مسبباً لإصابات بشرية في العام نفسه، نتج عنها 543 وفاة و18,275 جريحاً وان التكلفة الإجمالية لهذه الحوادث بلغت عام 2024 حوالي 958 مليون دينار ، أي ما يعادل 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي .
يذكر انه استجابةً لخطورة المخالفات المرورية، تم تعديل قانون السير الأردني (رقم 18 لسنة 2023) لتشديد العقوبات على المخالفات التي تهدد السلامة العامة، بهدف أن تكون رادعة وحافظاً للأرواح .
وهنا ايضا لا بد من القول ان انتقائية التطبيق تقتل القانون، ففي حين تصطاد الكاميرات السرعة وحزام الأمان والهاتف، لأنها سهلة، يبدو ان مخالفة الزامور والسماعات أكثر صعوبة لانها تحتاج الى شكوى ونمرة سيارة وربما تحتاج شرطي وتتبع.
والمسألة هنا تتطلب اتخاذ قرارات منها مثلا الطلب من كل دورية بتحرير عدة مخالفات "زامور مزعج" و "مكبرات صوت" يومياً خاصة ان القانون موجود، والغرامة ايضا.. بالاضافة الى القيام بحملات ليلية مركزة ونشر فرق متخصصة في الأحياء السكنية ليلا لمصادرة "البازوكا" واحجز المركبة اذا تطلب الام، فضلا عن تفعيل خط الشكاوى بالاعلان للمواطنين بتصوير فيديو لمركبة تزعج بمكبرات صوت مع رقمها، وهنا يصبح المواطنين رقباء، مع ربط كل ذلك بالترخيص بحيث لا يتم ترخيص أي مركبة عليها شكوى إزعاج صوتي متكررة إلا بعد إزالة المضخمات ودفع الغرامات، كما انه مطلوب تنظيم حملات توعية لتثقيف السائقين حول أهمية احترام الهدوء الليلي وتأثير الضوضاء على الصحة النفسية والجسدية، وتشجيع السلوكيات الإيجابية بتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل بين السائقين والمشاة، مما يساعد على تقليل التوتر والازدحام في الشوارع.
مقارنات.. التعامل مع ضوضاء المركبات
وبينما تركز التشريعات الأردنية على المخالفات الخطيرة بشكل عام، نجد أن دولاً أخرى تولي اهتماماً خاصاً لمستويات الضوضاء الصادرة عن المركبات، مما يعكس نهجاً أكثر تفصيلاً في الحفاظ على "سكينة المجتمع" فالاتحاد الأوروبي يطبق معايير صارمة ضمن تشريعاته (Euro Standards) للحد من الضوضاء الصادرة عن المركبات والإطارات، وتوجد معايير مماثلة في الولايات المتحدة بموجب قانون حماية البيئة وهذا يضع مسؤولية الحد من الضجيج على عاتق مصنعي السيارات والإطارات أيضاً، وليس فقط السائقين، وفي الدوحة مثلا تؤكد وزارة الداخلية القطرية على أن التقيد بالضوابط المتعلقة بمستوى الصوت الصادر عن المركبات هو إجراء وقائي يجنب السائق المخالفات، ويعزز السلامة العامة، ويحافظ على هدوء المجتمع.
ويبقى القول ان الهدوء ليس ترفاً، فمنظمة الصحة العالمية تصنف الضوضاء كثاني أكبر مسبب بيئي للأمراض بعد تلوث الهواء.. كما انه من المهم أن تتضافر الجهود الحكومية والمجتمعية لتحقيق بيئة أكثر هدوءًا وأمانًا للجميع.
السكينة حق.. والحزم واجب.













