banner
كتّاب جهينة
banner

الأردن مركز توازن إقليمي

جهينة نيوز -
 د. حازم قشوع

في قلب إقليمٍ تتلاطم فيه التحولات، وتتشابك على أرضه المصالح والتجاذبات، يبرز الأردن بوصفه نقطة ارتكاز لا تميل، ومركز توازنٍ يستند إلى حكمة الدولة وصلابة النهج. لم يكن موقعه الجغرافي وحده ما منحه هذه المكانة، بل منظومة من الثوابت السياسية والرؤى الاستراتيجية التي جعلت منه لاعبًا متزنًا في معادلات مضطربة، وقادرًا على تحويل التحديات
 إلى مساحات فعلٍ وتأثير. وبين صخب الأزمات وضجيج الاستقطابات، يقدّم الأردن نموذجًا لدولةٍ تعرف كيف تمسك العصا من المنتصف، دون أن تفقد وضوح البوصلة أو ثبات الاتجاه.

في خضم التحولات المتسارعة التي تعصف بالإقليم، لم تعد مراكز الثقل تُقاس فقط بحجم القوة، بل بقدرة الدول على إدارة التوازنات وصياغة مسارات الاستقرار وسط بيئة مضطربة. وفي هذا السياق، يبرز الأردن بوصفه نقطة ارتكاز إقليمي، تتقاطع عندها المصالح، وتُعاد عبرها هندسة الأدوار الأمنية والسياسية، بما يجعله لاعبًا محوريًا في مرحلة «اللاحرب واللاسلم» التي تعيشها المنطقة.

ما زالت المنطقة تعيش أجواء اللاحرب واللاسلم، على الرغم من الاتفاق على الإطار العام لوقف الحرب في الخليج، بعد حرب إيران التي استمرت 40 يومًا، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية ظاهرها في مجملها لصالح إيران، وتفاهمات أمنية غامضة ما زالت لم تتضح ماهيتها، وإن كانت معالمها تُقرأ من باب المشهد في لبنان، الذي ذهبت فيه الأطر العسكرية والأمنية باتجاه عمليات التدريب وإعادة التقويم للقوات الأمنية والعسكرية، بحيث تكون من الأردن، على حد وصف محللين. وهذا ما يعني أن الأردن أصبح يشكّل البديل الناجح للناتو،
 كما لمركز "سنتكوم" في المنطقة.

وعلى صعيد متصل، بيّنت استطلاعات الرأي الإسرائيلية أن 60% من الإسرائيليين صوّتوا لصالح إقالة نتنياهو وإعلان استقالته من العمل السياسي بشكل عام، وهذا ما يعني أن برنامج "السلام بالقوة" والتمدد الإسرائيلي بالإذعان قد تم إسقاطه، بعد سلسلة حروب خاضها نتنياهو من أجل توسيع جغرافية إسرائيل التوراتية، بدعوى تحقيق الرؤية الصهيونية التي أخذت تجهّز لهذا اليوم، لحد وضع البقرات الحمراء في حظيرة القدس تمهيدًا لإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى ومقام الصخرة وكنيسة القيامة. وهذا أيضًا ما تم الإعلان عن عدم تحقيقه لأهدافه، وهي المحصلة التي تعني أن برنامج نتنياهو في المنطقة، الذي استمر لأكثر من أربع سنوات، قد فشل بشهادة إسرائيلية قادمة من حواضن استطلاعات الرأي الإسرائيلية.

وفي الاتجاه المقابل، عززت إيران قوتها العسكرية لتأمين مضيق هرمز، بوصول طائرات سوخوي 53 وطائرات هليكوبتر متطورة من روسيا الاتحادية، بينما أخذت الصين زمام الأمور في إجراء الترتيبات اللازمة للإعمار، لتنفيذ إعادة تأهيل مشاريع البنية التحتية، مع ألمانيا وفرنسا، التي سيكون لها الدور الأهم في إعادة تأهيل البنية التحتية الإيرانية، عبر صندوق التنمية والإعمار الدولي الذي تقدر قيمته بـ300 مليار. وهذا ما يعني إعادة ترسيخ قوام الشراكة بين الشطر العربي للخليج مع الشطر الفارسي، عبر جسور التنمية والشراكة التي راحت تُبنى بينهما بعد إعلان التوافق ووضع الإطار العام، وهو ما يعني أن المشروع القادم لإيران سيكون "برنامج تغيير ثقافي" مرتكز على الأطر التنموية.

وعلى صعيد متصل، رفض الاتحاد الأوروبي دخول تركيا إليه بشكل قاطع، وراح يضع تركيا في موقع جيوسياسي آخر، تكون فيه تركيا ندًا مواجهًا لروسيا الاتحادية. وهذا ما يعني أيضًا أن نقطة الاستهداف الإسرائيلية ستكون تركيا لكن من الأراضي السورية، المرشحة من جديد لتكون فضاء اشتباك، بدعوى إبعاد النفوذ التركي من سوريا، بعد دخول الأردن للمشهد اللبناني بديلًا عن سوريا، على الرغم من تصريحات الرئيس ترامب حيال ذلك كما يصف متابعين. وهذا ما يعني أن ناتو المنطقة، من مركز الأردن، أخذ يشكّل الضابطة الأمنية القادمة لمجريات الأحداث، وهو ما يُبقي المنطقة في مناخ اللاحرب واللاسلم، وستبقى تنتظر نقطة الاشتباك القادمة.

وهكذا، لا يظهر الأردن في هذا المشهد كطرفٍ عابر، بل كمركز توازن يعيد ضبط الإيقاع الإقليمي، ويمنح المنطقة هامشًا من الاستقرار ضمن بيئة مضطربة. غير أن هذا الدور، على أهميته، لا يُنهي حالة القلق الاستراتيجي، بل يؤكد أن الإقليم ما يزال يعيش مرحلة انتقالية مفتوحة، حيث تُدار التوازنات بدقة، وتُؤجَّل المواجهات دون أن تُلغى.

وعليه، ستبقى «اللاحرب واللاسلم» هي السمة الغالبة، لكن مع حقيقة راسخة مفادها أن الأردن بات في قلب المعادلة، لا على هامشها؛ يصوغ التوازن حينًا، ويحتوي التوتر حينًا آخر، إلى أن تنضج لحظة التحول الكبرى في الإقليم وهذا ما جعل الملك عبدالله ينجح فى ربط خطوط بنائيه متصله فى رحلته بهذا خضم لحظه التبدل الحاصله .

وهكذا، يظل الأردن، بما راكمه من خبرة سياسية ورصيد دبلوماسي، مركز توازنٍ إقليمي لا غنى عنه في معادلات الاستقرار. فهو لا يكتفي بدور المراقب، بل يمارس حضوره بوعيٍ ومسؤولية، واضعًا مصلحة المنطقة ضمن إطارٍ من الاعتدال والعقلانية. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتضيق فيه مساحات الثبات، يثبت الأردن أن التوازن ليس موقفًا حياديًا بقدر ما هو قوة فاعلة، تُحسن إدارة التناقضات وتعيد صياغتها ضمن أفقٍ أكثر استقرارا واتزانا ..
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير