أمن الحشود في عصر الذكاء الصناعي: قراءة في الإجراءات السعودية لموسم الحج
اللواء المتقاعد
د. تامر المعايطة
لفتت تجربة استخدام الذكاء الصناعي في موسم الحج لهذا العام، الانتباه بوصفها نموذجاً متقدماً في كيفية التعامل مع الحشود بأسلوب استباقي، يستحق الإشادة والدراسة، حيث لم تعد إدارة الحشود في عالم اليوم مسألة تنظيمية عادية، بل أصبحت تحدياً أمنياً حقيقياً، مع تزايد أعداد التجمعات البشرية وتعقيدها.
يُعرّف الذكاء الصناعي في السياق الأمني بأنه مجموعة من الأنظمة التحليلية التي تعتمد على معالجة البيانات الضخمة، والخوارزميات التنبؤية بهدف دعم اتخاذ القرار وتعزيز الكفاءة التشغيلية. أما أمن الحشود، فيرتبط بمنظومة الإجراءات الوقائية والتنظيمية الرامية إلى الحد من المخاطر الناتجة عن التجمعات البشرية الكثيفة، مثل التدافع، والاختناق، وفقدان السيطرة على تدفق الأفراد. ويمثل دمج الذكاء الصناعي في هذا المجال انتقالاً من النماذج التقليدية القائمة على رد الفعل، إلى نماذج استباقية تعتمد على التنبؤ وإدارة المخاطر (Risk Management Approach).
ما تابعته من خلال التقارير التي كانت تبث عبر منصة اليوتيوب، عن الإجراءات الأمنية في هذا الموسم لم يكن مجرد استخدام لتقنيات الذكاء الصناعي، بل تحول في العقلية الأمنية؛ إذ جرى الانتقال من إدارة الازدحام بعد وقوعه، إلى التنبؤ به قبل تشكّله. فالأنظمة الذكية ساعدت في قراءة حركة الحشود لحظياً، وتحليل الكثافات، واستشراف نقاط الخطر، بما أتاح تدخّلاً مبكراً، أسهم في تقليل المخاطر، ورفع مستوى السلامة العامة في المشاعر المقدسة. والأهم أن هذا كله تم دون إقصاء العنصر البشري، بل بدعمه، حيث بقي رجل الأمن في صلب القرار والتنفيذ، وهو ما انعكس عملياً في تقليل نقاط الاختناق، وتسريع الاستجابة الميدانية، وتحسين توزيع الكوادر الأمنية في المواقع الهامة والحساسة.
الدرس الأهم أمنياً، هو أن الذكاء الصناعي لم يعد ترفاً تقنياً، بل أداة ضرورية لتعزيز الجاهزية، شريطة استخدامه ضمن إطار منظم يحفظ الخصوصية ويعزز الثقة المجتمعية. والتجربة السعودية تقدّم مثالاً ناجحاً يمكن الاستفادة من فلسفته، لبناء نماذج أمنية متقدمة تعتمد على نظريات الأمن الذكي، الذي يطوع الذكاء الصناعي لخدمة القطاعات الأمنية المتعددة، وخاصةً في إدارة أمن الحشود. تكشف التجربة عن انتقال جوهري من مفهوم ضبط الحشود (Crowd Control) إلى مفهوم إدارة مخاطر الحشود(Crowd Risk Management)، وهو تحول يعكس تطور الفكر الأمني المعاصر. ففي حين يركّز المفهوم الأول على السيطرة المباشرة، يركّز الثاني على الوقاية، والتحليل، وتقليل احتمالية الخطر قبل وقوعه.
تمثّل تجربة المملكة العربية السعودية في استخدام الذكاء الصناعي خلال موسم الحج لهذا العام، نموذجاً متقدماً في توظيف التكنولوجيا لخدمة الأمن الإنساني. وهي لا تعكس فقط تطوراً تقنياً، بل تجسّد تحولاً استراتيجياً في منهجية إدارة الحشود، قائماً على الاستباق، والتكامل، والاعتماد على البيانات. ومن شأن هذه التجربة، التي تستحق الإشادة والتقدير، أن تشكّل مرجعاً عملياً، ونموذجاً قابلاً للاستفادة في تطوير سياسات أمنية حديثة على مستوى العالم، خاصة في ظل تزايد التحديات الأمنية المرتبطة بالحشود الكبرى.













