محمد شاهين يكتب: بين التنظيم والفوضى الرقمية… قرار هيئة الإعلام في مكانه الصحيح
محمد شاهين
في السنوات الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد مساحة للترفيه والتفاعل إلى سوق إعلامي وإعلاني ضخم يدرّ ملايين الدنانير حول العالم، وأصبح العديد من مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي يحققون أرباحاً كبيرة من الإعلانات والترويج والتسويق المباشر وغير المباشر، دون وجود إطار تنظيمي واضح يضبط هذا القطاع المتنامي.
ومن هنا، يأتي قرار هيئة الإعلام الأردنية بفرض رسوم وتنظيم عمل مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي كخطوة طبيعية ومنطقية، بل ومتأخرة نسبياً مقارنة بما تقوم به دول عديدة بدأت منذ سنوات بتنظيم المحتوى الرقمي والإعلانات الإلكترونية.
فالمؤثر اليوم لم يعد مجرد شخص يشارك يومياته أو آراءه عبر الهاتف، بل أصبح في كثير من الأحيان مؤسسة إعلامية متكاملة تمتلك جمهوراً واسعاً وتأثيراً مباشراً على الرأي العام والسلوك الاستهلاكي وحتى القيم المجتمعية. وبالتالي، فإن أي نشاط يحقق دخلاً مالياً كبيراً يجب أن يخضع للقانون والتنظيم والرقابة، تماماً كما تخضع له المؤسسات الإعلامية والشركات التجارية الأخرى.
العدالة تقتضي أيضاً أن يكون هناك تكافؤ في المسؤوليات.
فكيف يمكن لوسائل الإعلام التقليدية أن تدفع رسوماً وترخيصات وضرائب وتتحمل مسؤوليات قانونية ومهنية، بينما يعمل البعض عبر المنصات الرقمية بحرية مطلقة ويحقق أرباحاً ضخمة دون أي التزامات مماثلة؟
إن تنظيم هذا القطاع لا يعني تقييد الحريات كما يحاول البعض تصويره، بل يعني حماية المهنة والمجتمع والمحتوى معاً. فوجود إطار قانوني واضح يساهم في الحد من الفوضى الرقمية، والإعلانات المضللة، واستغلال الجمهور، والمحتوى غير المهني الذي بات ينتشر بشكل واسع سعياً وراء المشاهدات والأرباح.
كما أن فرض الرسوم يرسخ مبدأ أن من يحقق دخلاً من نشاط إعلامي أو إعلاني عليه أن يساهم أيضاً في الاقتصاد الوطني ضمن الأطر القانونية المعمول بها، خاصة أن كثيراً من المؤثرين باتوا يحققون عوائد مالية قد تفوق أحياناً مؤسسات إعلامية قائمة منذ سنوات.
المطلوب اليوم ليس فقط فرض الرسوم، بل بناء منظومة متكاملة تنظم المحتوى الرقمي وتحفظ حقوق الجميع، دون المساس بحرية التعبير المسؤولة، فالعالم يتغير، والإعلام يتغير، والقانون أيضاً يجب أن يواكب هذا التغيير.
وفي النهاية، لا يمكن إنكار أن مواقع التواصل أصبحت قوة إعلامية واقتصادية مؤثرة، لكن أي قوة بلا تنظيم قد تتحول إلى فوضى. لذلك، فإن قرار هيئة الإعلام يُقرأ كخطوة نحو ترتيب المشهد الرقمي الأردني، ووضع الجميع تحت مظلة القانون بعدالة ومسؤولية.












