ما الذي يجمع العرب وفنزويلا في صراع النفط؟
ما الذي يجمع العرب وفنزويلا في صراع النفط؟
منصور البواريد
في هذه المنطقة "مع بالغ أسفي عما يحصل" لا تنفجر الحروب صدفة، ولا تدار بردود فعل عفوية، فالذي يجري أقرب إلى عملية تصميم دقيقة تستخدم فيها الجغرافيا كأداة ويعاد تعريف النفط باعتباره سلاح ناعم يحرك الصراع من خلف الستار، فإذا تم النظر إلى أي تصعيد محتمل مع إيران، فالمشهد لا يقرأ عسكريا فقط، فالمسألة أعمق بكثير وتتصل مباشرة بشريان الطاقة العالمي فمضيق هرمز هذا الممر هو نقطة اختناق قادرة على إعادة تشكيل السوق خلال أيام. إغلاقه يعني أن العالم لن يبحث عن موقف سياسي، وإنما عن برميل بديل بأي ثمن وبأية طريقة كانت ..
عند هذه النقطة، تظهر مناطق ظلت لسنوات خارج الضوء، وفي مقدمتها فنزويلا فنفطها الثقيل لم يكن خيار مفضل بسبب كلفته وتعقيد استخراجه؛ لكنه يتحول في لحظة ارتفاع الأسعار إلى كنز ينتظر من يفتح بابه، البرميل الذي كان عبئا اقتصاديا يصبح فجأة ورقة قوة، ومعه تنتقل مراكز التأثير من الخليج إلى أماكن لم تكن في الحسبان،،، فهذه التحولات الجذرية لا يمكن تقدريها بلغة الربح والخسارة التقليدية، فالسيطرة على احتياطي ضخم، حتى لو كان صعب الوصول، تعني امتلاك قدرة على التأثير في القرار الدولي، وعلى فرض حضور سياسي يتجاوز الحدود الجغرافية. فالنفط هنا يأخذ شكل النفوذ والسيطرة
في هذا الإطار والنطاق، تتحرك الولايات المتحدة بعقل استراتيجي طويل النفس الهدف لا يقتصر على تأمين الإمدادات، وإنما يتصل بكبح تمدد قوى صاعدة مثل الصين، وإعادة ضبط موازين القوة في سوق الطاقة العالمي. التوترات ليست نتيجة خلافات آنية، إنها أدوات ضغط تستخدم لدفع السوق نحو خيارات محددة سلفا.
الفكرة الأهم أن الأزمات تصنع، حين تخلق حالة اختناق في الإمدادات، يصبح البحث عن البدائل أمر حتمي، وعندها تظهر الموارد التي كانت خارج المعادلة، وتدخل دول جديدة إلى قلب التأثير.
أما القراءة التي تستحق التوقف، فهي أن أي مواجهة قد لا تستهدف الحسم بقدر ما تستهدف الاستنزاف وإعادة التشكيل، فإضعاف إيران، وإرباك محيطها، يفتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ، ويدفع المنطقة نحو خريطة جديدة ترسم بهدوء تحت ضجيج الصراع.
المرحلة لا تحتمل ترف الانقسام العربي. فالذي يرسم اليوم في الإقليم قد يفرض غدًا كأمر واقع على الجميع. توحيد الصف العربي ضرورة وجودية؛ لحماية المصالح العربية الإسلامية، واستعادة القدرة على التأثير في معادلات الطاقة والأمن، وأي تأخير في بناء موقف عربي موحد يعني ترك القرار لغيرنا، وتحويل المنطقة إلى ساحة تدار من الخارج.
وقد عبر الملك عبدالله الثاني بوضوح وصراحة عن هذا المعنى حين أكد:
"لن يستطيع أحد أن يواجه التحديات منفردًا، وحدتنا هي درعنا، والعمل العربي المشترك هو الطريق لحماية مصالح شعوبنا وصناعة مستقبلنا.”
في النهاية، نحن أمام مشهد لا يختصر في حرب أو هدنة، ما يجري هو صراع على من يتحكم بمستقبل الطاقة، ومن يملك القدرة على توجيه السوق عندما تضيق الخيارات.












