الصين تحدد مسارها حتى 2030 وتفتح آفاق تعاون جديدة مع شركائها في العالم العربي
تتبلور ملامح مرحلة جديدة من التنمية لثاني أكبر اقتصاد في العالم حتى عام 2030، مع اعتماد الهيئة التشريعية العليا في الصين الخطوط العريضة للخطة الخمسية الـ15 (2026-2030) للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.
وفي وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة واضطرابات متشابكة، تقدم الصين عبر هذه الخطة جرعة من اليقين الاستراتيجي يتردد صداها إلى ما هو أبعد من حدودها، كما ترسم ملامح الفرص المستقبلية لشركائها في العالم العربي وخارجه.
ما هي الخطة الخمسية في الصين؟
يعد إعداد الخطط المتوسطة والطويلة الأجل لتوجيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية أحد الأساليب المهمة التي يعتمدها الحزب الشيوعي الصيني في حوكمة البلاد. وأُطلقت الخطة الخمسية الأولى (1953-1957) في وقت كانت فيه الصين دولة يغلب عليها الطابع الزراعي وبعيدة كل البعد عن التصنيع الواسع. ومن خلال آلية متواصلة وسلسة لصنع السياسات، نجحت الصين في بناء إطار مؤسسي يتيح للمشروعات الكبرى والإصلاحات الهامة أن تتقدم بثبات عبر الزمن. ومع دخول البلاد مرحلة الخطة الخمسية الـ15، يظل الهدف الاستراتيجي ثابتا: إنجاز بناء دولة اشتراكية حديثة.
ورغم أن الخطط الخمسية نشأت في عصر الاقتصاد المخطط، إلا أنها قد تطورت لتصبح أداة فعالة تجمع بين دور السوق ودور الحكومة من أجل إدارة الاقتصاد الكلي. ووصف الباحث الأمريكي جون نايسبيت هذا النهج في كتابه بعنوان "الاتجاهات الكبرى للصين" بأنه يشبه "تسييج الغابة وترك الأشجار تنمو"، في إشارة إلى أن الخطط ترسم الإطار العام والأولويات الكبرى، بينما تترك المساحة لمختلف القطاعات والشركات لتطوير نفسها بحرية.
وتعدّ فترة الخطة الخمسية الـ15 مرحلة محورية في مسيرة التنمية الصينية، إذ تدخل البلاد العقد الأخير من مساعيها لتحقيق التحديث الاشتراكي بشكل أساسي بحلول عام 2035. على أن تمضي بعد ذلك نحو هدف أوسع يتمثل في بناء دولة اشتراكية حديثة عظيمة في جميع الجوانب بحلول منتصف هذا القرن.
في الصورة الملتقطة يوم 29 أكتوبر 2025، روبوتات شبيهة بالبشر تعرض في شركة "إنجين إيه أي"، وهي شركة ناشئة متخصصة في الروبوتات، في مدينة شنتشن في مقاطعة قوانغدونغ بجنوبي الصين. (شينخوا)ما المحركات الجديدة للنمو في الخطة الخمسية الـ15؟
كشفت الصين عن مجموعة من الأولويات التنموية ضمن الخطة الخمسية الـ15، واضعة هدفا استراتيجيا واضحا يتمثل في: مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 مقارنة بنظيره لعام 2020، للوصول إلى مستوى الدول متوسطة التقدم. وقد تجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين 10 آلاف دولار أمريكي في عام 2020، وهذا يعني أنه من المتوقع أن يتجاوز الرقم 20 ألف دولار أمريكي بحلول عام 2035.
ويرتكز هذا التوجه على تحقيق التنمية عالية الجودة يقودها الابتكار التكنولوجي. ووفق الأجندة التكنولوجية للصين، ستعمل البلاد خلال الفترة 2026-2030 على تطوير الصناعات الناشئة وصناعات المستقبل لتعزيز محركات جديدة للنمو، مثل تكنولوجيا الكم والتصنيع الحيوي وطاقة الهيدروجين والاندماج النووي وواجهات الدماغ والحاسوب والذكاء الاصطناعي المتجسد إلى جانب شبكات الاتصالات من الجيل السادس وغيرها.
ومن المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورا محوريا في المرحلة المقبلة، مع تسارع انتشار تطبيقاته عبر مختلف القطاعات الاقتصادية. وفي هذا السياق، كشفت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، أعلى هيئة للتخطيط الاقتصادي في الصين، أن قيمة الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الصين ستتجاوز 10 تريليونات يوان (حوالي 1.45 تريليون دولار أمريكي) بحلول عام 2030، مع الاستمرار في دفع مبادرة "الذكاء الاصطناعي بلس" خلال فترة الخطة الخمسية الـ15.
كما تخطط الصين لتعزيز ست صناعات ناشئة رئيسية تشمل الدوائر المتكاملة، والطيران والفضاء، والطب الحيوي، واقتصاد الارتفاعات المنخفضة، والتخزين الجديد للطاقة، والروبوتات الذكية. ومن المتوقع أن يتجاوز إجمالي قيمة هذه القطاعات 10 تريليونات يوان بحلول عام 2030. وفي الوقت ذاته، يُتوقع أن يتوسع قطاع الخدمات في الصين ليتجاوز حاجز مائة تريليون يوان خلال فترة الخطة الخمسية الـ15.
في الصورة الملتقطة يوم 2 سبتمبر 2024، جانب من المرحلة الرابعة من مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي بالإمارات العربية المتحدة. (شينخوا)ما الفرص الجديدة التي تتيحها الخطة الخمسية الـ15 للدول العربية؟
لا ترسم الخطة الخمسية الـ15 ملامح مستقبل الصين فحسب، بل تقدم أيضا مؤشرات واضحة لآفاق التعاون الصيني-العربي في المرحلة المقبلة. ففي ظل اقتصاد عالمي يواجه ضغوطا ناجمة عن التوترات التجارية والانقسامات الجيوسياسية وضعف النمو، يقدم تعهد الصين المزدوج المتمثل في الحفاظ على نمو اقتصادي مستقر وتوسيع انفتاح سوقها الضخم، قدرا نادرا من الاستقرار والقدرة على التنبؤ بالنسبة لشركائها الدوليين، بما في ذلك الدول العربية.
وأكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي في مؤتمر صحفي يوم الأحد الماضي أن الصين ستظل "المحرك الأكثر استقرارا" للاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن الاقتصاد الصيني سجل خلال السنوات الخمس الماضية نموا سنويا بمتوسط 5.4 في المائة، مساهما بنحو 30 في المائة من النمو العالمي، وهو ما يفوق مساهمة مجموعة السبع مجتمعة، متعهدا بتوسيع الانفتاح رفيع المستوى وتوسيع دور الصين ليس فقط بوصفها "مصنع العالم"، بل أيضا باعتبارها "سوق العالم".
وعلى صعيد الانفتاح الاقتصادي، ستواصل الصين توسيع انفتاحها على العالم الخارجي، من خلال توسيع نطاق الوصول إلى السوق وفتح المزيد من القطاعات، لا سيما قطاع الخدمات، بما في ذلك خدمات الاتصالات ذات القيمة المضافة، والتكنولوجيا الحيوية، والمستشفيات المملوكة بالكامل للأجانب، إلى جانب خطوات منظمة لتوسيع الانفتاح في القطاع الرقمي وتقليص القائمة السلبية لتجارة الخدمات العابرة للحدود.
وقد شهدت التجارة بين الصين والدول العربية نموا مطردا خلال السنوات الأخيرة، مع احتفاظ الصين بمكانتها كأكبر شريك تجاري للدول العربية لعدة سنوات متتالية. وأشار الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في مقابلة خاصة مع تلفزيون الصين المركزي مؤخرا إلى أن حجم التجارة الثنائية بين الجانبين اقترب من نحو 409 مليارات دولار أمريكي في عام 2025.
من خلال توجيه رؤوس الأموال نحو التكنولوجيا المتقدمة، وتعميق روابط التجارة والاستثمار، وتعزيز التنمية الخضراء، من المتوقع أن يكون للخطة الخمسية الـ15 تأثير واسع النطاق على الاقتصاد العالمي في جوانب متعددة، بدءا من تسريع التحول الأخضر للطاقة إلى إعادة تشكيل مشهد التصنيع المتقدم. وتتقاطع هذه التوجهات مع أولويات التحول الاقتصادي في العديد من الدول العربية، مثل "رؤية السعودية 2030" ورؤية "نحن الإمارات 2031"، حيث تضع الابتكار التكنولوجي والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي ضمن ركائز التنمية المستقبلية.
وفي دراسة تحليلية، قال جعفر كرار أحمد، السفير السوداني الأسبق لدى بكين، إن الخطة الخمسية الـ15 تفتح أمام الدول العربية والشرق الأوسط نافذة عملية للانتقال من دور "ممّر للطاقة والتجارة" إلى دور "شريك إنتاجي" داخل سلاسل القيمة العالمية الجديدة، موضحا أن ذلك يعني التحول من الاعتماد على تجارة المواد الخام إلى بناء قيمة مضافة في مجالات الطاقة والتحول الأخضر، ومن دور العبور اللوجستي إلى تعزيز المزايا الإنتاجية في قطاعات الخدمات والصناعات الوسيطة.













