banner
فن و مشاهير
banner

سليم النجار يكتب: أسيد الحوتري "العاشق الذي ابتلعته الرواية"... رواية الرواية

{clean_title}
جهينة نيوز -
يسعى الروائي أسيد الحوتري من خلال نصّه إلى رواية الرواية، وإلى إحياء المشاعر الإنسانية المرتبطة بصدمة الاقتلاع من الأرض الأصلية لأصحابها، وتحويلهم إلى رواية تُحكى. مبتعدًا، قدر الإمكان، عن لعب دور المؤرخ الذي له منهج علمي صارم وموضوعي في تناول القضية الفلسطينية. وقد استطاع الحوتري رصد الأحداث بعين الراوي، وفي كثير من المشاهد الروائية بدا وكأنه يحمل عدسة سينمائية لالتقاط الأحداث:
(بعد المعركة الأخيرة مع الصهاينة، بحث أهل القرية عن ظريف الطول بين الجرحى والشهداء فلم يجدوه، فتأكد لهم أنّه رحل ص ٦١).

رواية «العاشق» الصادرة عن دار الخليج – عمّان – ٢٠٢٤ تقترب كثيرًا من فكرة الحكاية التي لا تنتهي؛ فهي حكاية تراثية مدفوعة برمزية عالية، تسعى لالتقاط المشاهد الصورية، وكأن السرد هنا مشاهد تمثيلية:
(أشدّ غرابة: سجينٌ يُلقّب بـ«الأديب». اعتقدت في بداية الأمر أنّ هذا اللقب كان سبب لطفه ودماثته ص ٢٤).

هنا يلعب الخيال دورًا محوريًا في بناء مشهد تمثيلي قائم على السرد، كاشفًا مكنونات الذات للأشخاص المشاركين في هذا المشهد:
(فلا يجد نبضًا! تتسرّب الشكوك إلى صدره مرة أخرى! ص ٧١).

هذا الوصف الراصد للمكان بعين الكاميرا التي تبحث عن خفايا الروح يكشف لنا مرآة هذه الروح التي تتجلّى في الذات، والتي تلعب دورًا مهمًا في رسم الفضاءين: فضاء الوطن وفضاء لاحق خرج من رحم الوطن عُرف في الثقافة الفلسطينية بـ«الشتات». هذا الاسم لم يكن مجرد تسمية عابرة، أو اسمًا ممنوعًا من الحركة الإعرابية كالفعل والفاعل والمفعول به؛ بل كان دائمًا الاسم الفاعل الذي له تداعيات المفعول به.

ويعكس هذا الفاعل فضاءً يأخذ شكل الهوية، والمفارقة هنا أن هذا الفضاء لا يحمل جغرافيا محددة، بل إن كل الجغرافيا الإنسانية هي فضاؤه. هذه المساحة الكبيرة تمنح الكاميرا الساردة حرية التقاط الحالات غير المنظورة على صعيد العين المجردة، لكنها منظورة في خبايا المتخيَّل:
(ها هي جهنّم تُشرَّع أبوابها ص ١٥).

الحوتري يستعين بثقافة الأسئلة بدلًا من المكان المفقود:
(ماذا كان عساني أن أفعل حينها؟ لقد كنت في حيرة كبيرة من أمري! هل كان عليّ خوض المعركة؟ ص ٩٧).

نحن أمام مشهد دراماتيكي يحمل في ثناياه فكرة التضحية، التي تجعل الإنسان أمام هذه الحالة الإنسانية مترددًا؛ فالبقاء هي الغريزة الأقوى من أي شيء. أمام هذه النزعة تصبح الأفكار، مهما كانت نبيلة، هامشية:
(كانت هذه الذكرى الأولى التي خطرت على بال ظريف الطول وهو مُلقى في حبسه المظلم؛ يبدو أن زنزانته اليوم استدعت سجن الأمس البعيد ص ٨٢).

ولا يقتصر السرد على مشهد هامشي واحد، بل يتوسع في الفضاء الإنساني طارحًا سؤالًا معقولًا إلى حدّ ما: هل هناك علاقة بين العقل والواقع؟ قد يبدو هذا السؤال مألوفًا في السرد الروائي العربي، لكن في سرد «العاشق» يتخذ منحى مختلفًا، أو لنقل إن الروائي أراد الاختلاف، رغم بعض المعايير الأخلاقية التي قد لا تكون في صالح الكاتب عند القراءة الأولى للنص:
(تركت العمل في التجارة التي احترفتها حتى لا تشي مهارتي بي؛ فمن ثمارهم تعرفونهم ص ١٢٩–١٣٠).

للوهلة الأولى يظهر تناقض في الهامش: الانحياز للحياة في المشهد الأول الذي ذكرته قليلًا، والمشهد الثاني الذي كتبته للتو، ما بين الحياة وترك الحياة من أجل فكرة نبيلة. وفي الحالتين يتعامل الراوي مع إنسان متقلّب الفهم والمزاج والوعي؛ فلا يوجد إنسان على وجه البسيطة يستطيع القول أو الادعاء أنه كامل الصفات طوال حياته، وكأن الزمن لا علاقة له به.

هنا تكتمل رؤية الكاميرا الساردة وحساسية المشهد الجمالية والذوقية ضمن الفضاء الروائي:
(مرّت كلمح البصر تلك الأيام الجميلة التي عاشتها بركة في طفولتها ص ١٦٧).

أمام هذه السعادة التي تم توظيفها في النص الروائي، يلجأ الكاتب أيضًا إلى الأسطورة التي تخدم فكرة الواقع القابل للرؤية، وفي الوقت ذاته القابل للتحقق:
(ما كنت أسطورة، ولم أكن بطلًا، ولكني كنت مرغَمًا ومكرَهًا، ثم كان ما كان ص ١٧٧).

في هذا المشهد الروائي تبدأ الحكاية الفعلية للرواية التي تسبر أغوار النفس البشرية، وهي نفس لا تخضع لمعيار واحد أو مقياس محدد؛ فالحياة اليومية دائمًا خاضعة للتغيّر والتلوّن بألوان اجتماعية مختلفة. وهنا أدخل الروائي الرؤية البصرية كشكل يخدم فكرته بأن الغريزة وتعزيز ثقافتها هي الحرية الحقيقية للإنسان. لا أحد يعرف كيف ترتّب الحياة نفسها؛ أحيانًا يحسب المرء فينا أن حكاية ما قد انتهت، فإذا بها تبدأ من جديد:
(ص ٢٣٠).

يمكن القول إن الروائي استخدم يافطة تحمل في ثناياها شعارًا، أي إنه وظّف تقنية الشعار في السرد؛ فالشعار عادة يُنتج من حاجات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ويُسوَّق لغايات معينة لها أهداف مرئية، وهذا ما فعله الكاتب الحوتري:
(– ما بك يا شيخ؟
– عَنات، أسرعي، والدك سقط من على ظهر فرسه بعد أن أفزعتها أفعى فلسطين! ص ٢٢٤).

يطرح الروائي مسألة كيفية توظيف الحوار في النص، خاصة أن هناك خيطًا رفيعًا يجمع بين الحوار والنص، يتمثل في التعامل مع الظواهر بوصفها نظمًا رمزية قابلة للتحليل الاجتماعي؛ إذ إن الحوار اتحاد بين دالّ ومدلول، ويبرز هنا مبدأ الاختلاف الذي يمنح العلامات معناها داخل النسق، مبيّنًا كيف تحوّل هذا التصور إلى أداة عامة للثقافة:
(وعندما رفع ظريف الكيس الأخير، أفصح له الحاج عمّا كان يجول في خاطره مذ رآه قائلًا: سأزوّجك صفاء يا أكرم، فأنت تستحق كل الخير ص ١٩٣).

تتولد عند الحوتري رغبة في البحث عن ظاهرة الغياب عن الذات، وهو ما يوحي به نص روايته «العاشق – الذي ابتلعته الرواية» بوصفها استجابة اجتماعية تعرض اختفاء الذات كآلية دفاع ومعيشية أمام الفردانية:
(أما بعد، فقد اختفيت، ولكنني لم أمت ص ٢٣٧).

هذا التسارع والإيقاع المختصر للمشهد الروائي يشيران إلى تآكل الرابط الاجتماعي. ويمكن القول إن الفردانية، وإن كانت تمنح حرية واسعة في الاختيار، فإنها تفرض قيودًا تخضع آلياتها لثنائية الفشل والنجاح. وتتولد عن هذه الثنائية مشاعر بالعجز تدفع إلى الانسحاب بأشكال متفاوتة من الحياة، وكلها تشكّل نوعًا من الاختفاء عن الذات.

يغلب على الأسلوب السردي للرواية استخدام الجمل الطويلة إلى جانب الجمل المتقطعة، وهذان التوظيفان الأسلوبيان يدفعان نحو الوصول إلى كلمات منفردة تمثل شلالًا من التداعيات المتدفقة. ورغم وجود علامات الترقيم التي تفصل الاشتباك بين الجمل، فإن هناك فكرة مركزية تجمع هذا الاشتباك الذي أصبح سردًا خاصًا يخدم فكرة السرد ذاته.

أما الفخ الذي استطاع الحوتري الهروب منه فهو تجنّب أن تكون روايته مجرد نوستالجيا، وهو بيت القصيد.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير