banner
اقتصاد
banner

دراسة للبنك الدولي تقرأ التحديات الاكتوارية بعين مستقبلية، والحكومة تؤجل التطبيق التدريجي حتى 2047

{clean_title}
جهينة نيوز -
هل يكفي القانون وحده لضمان الاستدامة؟


بين التحذيرات الدولية والتطمينات الحكومية.. "الضمان" يدخل مرحلة إعادة التوازن الطويلة

التدرج الزمني يمنح النظام فسحة انتقالية مريحة.. هل تبقى المعادلة الحاسمة رهينة بسوق العمل ونمو الاشتراكات خلال عقد

الأنباط – عمر الخطيب
لم يعد ملف الضمان الاجتماعي في الأردن نقاشًا إداريًا تقنيًا، بل تحوّل إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، بعدما تلاقت فيه قراءات دولية، ودراسات اكتوارية، وتعديلات حكومية تمتد آثارها حتى عام 2047، وبينما تؤكد الحكومة أن التعديلات لن تمس أي مستحق خلال السنوات الأربع المقبلة، تضع دراسة صادرة عن البنك الدولي النظام أمام اختبار استدامة طويل الأمد يتجاوز أرقام اليوم إلى معادلة الغد.

قوة مالية حالية لكن الاستدامة ليست أبدية
يتمتع الضمان الاجتماعي اليوم بمركز مالي قوي وفوائض متراكمة، مدعومة بقاعدة مشتركين واسعة واستثمارات ضخمة تجعله أحد أكبر المستثمرين المؤسسيين في الاقتصاد الوطني، غير أن القراءة المتعمقة للدراسة الدولية تكشف أن هذه القوة ترتكز جزئيا إلى تركيبة ديمغرافية مؤقتة نسبيا، حيث لا يزال عدد المشتركين يفوق عدد المتقاعدين بـ فارق مريح.
لكن المعادلة الجوهرية التي يقوم عليها أي نظام تقاعد تبقى واحدة وهي اشتراكات حالية تموّل التزامات مستقبلية وإذا ارتفع عدد المستفيدين بـ وتيرة أسرع من نمو عدد المساهمين فإن منحنى النفقات سيبدأ تدريجيا بـمزاحمة منحنى الإيرادات، وهو ما يشكل جوهر القلق الاكتواري طويل الأجل.

نقطة التحول الاكتوارية سباق مع الزمن
تشير التقديرات الواردة في دراسة البنك الدولي إلى أن المرحلة التي تبدأ فيها النفقات التقاعدية بالاقتراب من مستوى الاشتراكات الجارية قد تلوح خلال العقد المقبل إذا استمرت الاتجاهات الحالية، خصوصا في ما يتعلق بالتقاعد المبكر ونمو سوق العمل بوتيرته المتواضعة، ووفق السيناريوهات المرجعية التي عرضتها الدراسة فإن الفوائض الحالية ستتآكل تدريجيا مع تسارع منحنى الإنفاق مقارنة بالإيرادات، ما يعني أن نافذة الإصلاح الاستباقي متاحة اليوم لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، اقتصاديا يعد هذا أنذاراً مبكراً وليس أزمة آنية والفرق بينهما أن الأولى تُدار بـ خيارات مدروسة فيما يُعالج الثاني تحت الضغط.

التعديلات الحكومية ... امتصاص للصدمة أم إعادة ضبط هيكلية؟
في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان أن الحكومة عدّلت مسودة مشروع القانون بحيث لا يُمس أي مستحق للتقاعد المبكر أو الوجوبي أو الاختياري خلال السنوات الأربع المقبلة، على أن يبدأ التطبيق التدريجي اعتبارا من عام 2030 ويمتد حتى 2040 للتقاعد الوجوبي و2047 لـ بعض حالات التقاعد المبكر.
هذا التدرج الطويل يعكس مقاربة انتقالية هادئة، هدفها تفادي الصدمة الاجتماعية وحماية المكتسبات الحالية لكنه في الوقت ذاته اعتراف ضمني بأن الاختلال ليس ظرفيا وإنما تراكميا ويتطلب إعادة ضبط بطيئة ومستدامة والحكومة أكدت كذلك أن الاستدامة ستعتمد حصريا على دخل الاشتراكات دون المساس باستثمارات الضمان أو أرباحه، في إشارة واضحة إلى الحفاظ على الدور الاستثماري للمؤسسة باعتبارها ركيزة مالية في الاقتصاد الوطني.

جوهر المسألة ... سوق العمل لا نص القانون
إذا كان تمويل النظام سيبقى قائما على الاشتراكات، فإن مستقبل الضمان يصبح مرآة مباشرة لأداء سوق العمل الأردني فارتفاع البطالة واتساع القطاع غير المنظم وضعف مشاركة النساء اقتصاديا كلها عوامل تضيق قاعدة التمويل الفعلية.
وهنا تظهر المعضلة الاقتصادية الأعمق "أي إصلاح تشريعي مهما كان متدرجا ومحسوبا لن يحقق أهدافه الكاملة ما لم يترافق مع توسع حقيقي في فرص العمل المنظمة وزيادة عدد المشتركين الفعليين بوتيرة تفوق الزيادة المتوقعة في أعداد المتقاعدين" أي بمعنى آخر نجاح القانون لا يقاس فقط بسلامة نصوصه وإنما بـ قدرة الاقتصاد على تمويله.

البعد المالي الأوسع ... الضمان كركيزة استقرار
لا يقتصر دور الضمان الاجتماعي على صرف الرواتب التقاعدية وإنما يمتد إلى كونه أحد أكبر الممولين في السوق المحلي عبر استثماراته في أدوات الدين العام والقطاع المصرفي ومشاريع استراتيجية، وبالتالي فإن أي اختلال مستقبلي في توازنه سينعكس على المنظومة الاستقرار المالي الأشمل ولن يكون اثره اجتماعيا فحسب ، ومن هذا المنظور فإن التحذيرات الدولية تقرأ اليوم كـ تنبيه إلى أن قوة الحاضر يجب ألا تحجب تحديات المستقبل ولا تقرأ كـ تشكيك في متانة المؤسسة.

إصلاح مؤجل أم مسار طويل الأمد؟
يمتد الجدول الزمني للتطبيق الكامل لـ بعض جوانب التعديل حتى عام 2047، ما يمنح النظام فترة انتقالية طويلة نسبيا، غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن الإصلاحات المؤجلة زمنيا تتطلب التزاما سياسيا متواصلا عبر حكومات متعاقبة لـ ضمان عدم التراجع تحت ضغط الاعتبارات الآنية، ومن هنا فإن التحدي لا يقتصر على ضبط معادلة مالية وإنما يشمل الحفاظ على مسار إصلاحي طويل الأمد في بيئة اقتصادية وسياسية متغيرة.

القانون يؤجل الأثر والاقتصاد يحدد النتيجة
في المحصلة، لا يمكن قراءة التعديلات الحكومية بـ معزل عن السياق الذي أبرزته دراسة البنك الدولي أو التحذيرات الاكتوارية المتكررة خلال السنوات الماضية، فالنظام ليس في أزمة راهنة لكنه يقف أمام معادلة ديمغرافية وتمويلية ستختبره خلال العقد المقبل.
التدرج حتى عام 2047 يمنح فسحة زمنية مريحة نسبيا، لكنه في الوقت ذاته يضع الاقتصاد أمام اختبار صامت هل سيتمكن من توسيع قاعدة الاشتراكات قبل أن ترتفع فاتورة التقاعد بوتيرة أسرع؟
الحقيقة الأعمق أن قانون الضمان قد يؤجل آثار الاختلال ويخفف حدّته تدريجيا، لكنه لا يستطيع وحده خلق وظائف جديدة أو رفع نسب المشاركة الاقتصادية، فالتحدي الحقيقي ليس في نصوص القانون وإنما في البيئة الاقتصادية التي تموّله.
وبين التحذيرات الدولية والتطمينات الحكومية، يدخل الضمان الاجتماعي مرحلة إعادة توازن طويلة ومعقدة، عنوانها الأساسي: "تأمين التزامات تمتد لأربعة عقود مقبلة ليس إدارة الفوائض الحالية"، ويبقى السؤال الذي سيحسم المسار في نهاية المطاف، هل تم انقاذ الضمان ؟ أم هل سينجح الاقتصاد في تمويله؟
  • {clean_title}
  • {clean_title}
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير