حيتان خلف الجدران… غيلان النيوليبرال الديجيتال
د. محمد العزة
التصريح أو الحديث حول ملفٍ ما، قضية رأي عام ، أو قرار يتعلق بالشأن الوطني—الأمن القومي، السياسي، الأمن الاقتصادي المعيشي ، فيه من الحساسية ، قد تجعل الكثير يعجز عن القول الصريح مباشرة تجاهه، ليلجأ إلى الرمزية أو الإشارة وإسقاط الأوصاف أو التشبيه. كلها أدوات و وسائل لإيصال رسائل أحرف لغتها مشفره ، تكتبها فئة تحاكي لغة خاصة (لويس برايل، موريس).
أحد الأمثلة الشائعة مفردة متداولة داخل مجتمع شارعنا الأردني، أثناء حواراته التي تناقش الأوضاع المعيشية الضيقة و اسعار السلع المرتفعة ، القرارات الحكومية المتأخرة ، ظاهرة احتكار القطاعات الاقتصادية المقتصرة على فئة بعينها، هو مصطلح "الحيتان" الذي يتردد بشكل متكرر.
ماذا تعني كلمة أو من المقصود بمصطلح "حيتان"؟
المتعارف عليه أن الحيتان تتواجد في المحيطات والبحار. فهل هناك ما لا نعرفه؟ حيث أقصى حدود معرفتنا هو شاطئ ثغرنا الباسم العقبة وما يعيش في بحره ، أم أن ثمة فصيل أخر من الحيتان لم ندرسه بعد، تعيش على اليابسة خلف الجدران؟
حيتان زيت القلي ، الطحين و المطاحن ، حيتان اللحوم والخراف و الدواجن ، الأرز والسكر، السردين و المعلبات ، العقارات والمقاولات، مواد البناء، الصناعة، الزراعة، الاسمنت و الحديد و مواد البناء ، الأدوية بل وحتى المناصب داخل الشركات الكبرى…...الخ
غيلان النيوليبرال الديجيتال التي تتحكم بأركان الاقتصاد، فتقوم بليّ عنق أهم القطاعات التجارية و احتكارها وتسخيرها لمصلحتها في دائرة مغلقة، لا يجرؤ أحد على اختراقها؛ مساحة محرّمة إلا لمن ينتمي إلى نادي النخبة (Elite).
الشعب الغلبان، وفق هذا المشهد، عليه إسقاط خرافة الغيلان و أسطورة حيتان اليابسة ، عبر اعلان معركة الأمعاء الخاوية و مقاطعة اللحوم ، مشتقات الحليب و الأجبان، الدواجن وبيض المائدة، باقة الفواكه والخضروات، وما طاب من المكسرات والحلويات ، القهوة التركية … والقائمة تطول من الملذات يمتلك مقاومة مغرياتها ، لإخضاع الاسعار لتكون في متناول يده و إمكانية متوسط دخله الذي تآكل من زمان .
ثقافة المقاطعة كل سلعة يحتكرها تاجر ينتمي إلى نادي حيتان النيوليبرال الرأسمالي واجب ، حيث يسعى بذلك السلوك إلى إجهاد جيب المواطن البسيط و إرهاقه، لإضعاف إرادته وخفض معنوياته، وحصر فكره في دائرة البحث عن تأمين لقمة عيشه التي أصابته بداء القلق ، ليضاعف مزيد من الجهد و الكد لأجلها .
ما أن تستقر اللقمة في جدار المعدة، تتحرك عضلاتها حتى تستنزف طاقات ذلك الإنسان وعقله، ليزرع في وعيه وحي نهج الاقتراض و الاستدانة من البنوك و شركات التمويل ، في حين هو الانسان القادر على استحضار قدراته المكنونة وإرادته المدفونة حباً و انتماءً لثرى هذا الحمى الطاهر، في وجه من يحاول مقايضة قوت يومه بحرية فكره، جوهره بأن قرار تحقيق العدالة الاجتماعية وفرص التنمية حق للجميع على هذه البسيطة.
عقلية المسؤول الإدارية خلال المئويتين اختلفت؛ النيوليبرال الديجيتال أصابت إعدادات معايير الإدارة بمقتل.
كانت الخطط و المشاريع تنفد و تخرج إلى النور من مواقع ومكاتب الوزارات المعنية، كلٌّ في اختصاصه. اليوم تخرج من خلف شاشات الورش والاجتماعات الخمس نجوم، والبرامج المدعومة من جهات متعددة، تتزين بعبارة "تحت رعاية".
لدينا 7 ملايين أردني يمتلكون أعلى مواصفات و مقومات الكفاءة والإبداع والتميز والابتكار لبناء نموذج اقتصادي اجتماعي وسياسي وطني متقدم.
يستحقون الأفضل من توفير البنية التحتية الخدماتية مع مراعاة أسس العدالة الاجتماعية على كافة المستويات ، لغايات إيجاد دافع وحافز الإنتاج والعطاء.
كل ما نراه من قرارات و تقلب على إدارات الحكومات و اختلاف السياسيات بدلا من انسجامها و مراكمة الانجاز ، يعكس انطباع اغتراب الطبقات السياسية السابقة وبعض الحالية عن الشعبية وتطلعاتها.
الكادحون لا يُهزمون ، يرثهم الوارثون.
نبض الشارع موجود، لكنه أُصيب بالإنهاك إلى أدنى معدلاته. المطمئن أن القلب ما زال ينبض.
يستحق كل من أدرك راهن الواقع أن يكون منظراً اقتصادياً اجتماعياً يصيب كبد الحقيقة عند الإشارة بلغة العامة إلى حصاد زمرة حيتان النيوليبرال الديجيتال (الصلعان).
تيارات سياسية–اقتصادية تتنازع الوصاية و السيطرة على الشارع والمشاريع للوصول إلى السلطة. لا يهمها أن تكون مصدّات وظيفتها التخفيف عن كاهل الملك ثقل مسؤولية الملفات الداخلية، إنما هي الأرصدة البنكية ، والضحية المواطن. لكن واجب علينا الوقوف حتى لا يكون القادم هو الوطن؛ ولن يكون، ما دام العهد أن يظل حراً عزيزاً كريماً آمناً مطمئناً مستقراً.
في الختام، نتركها فقرة لاشهر المقولات الادبية الممكن اعتبارها ، برقيات جاهزة للإرسال. نبدأها مع مارك توين، المؤلف الأمريكي الساخر، لعلها تعبر عن أصدق رسالة يريد أغلبية الشعب الأردني بعثها لهؤلاء الحيتان:
"اهربوا… لقد اكتُشف أمركم" (Run, all is discovered)
وهي دعابة شهيرة يُقال إن توين أرسلها بهذا النص لعشر شخصيات بارزة، وفي صباح اليوم التالي غادروا جميعاً البلاد، في إشارة إلى الخوف من انكشاف المستور.
كانت مزحة، لكنها صنعت فتحة لهروب الحيتان خارج حدود الأوطان فوراً، لتثبت أن كلمة واحدة كفيلة بكشف كل ما كانوا يخفونه وأثروا منه.
ويقول محمود درويش:
لا أعلم من باع الوطن
ولكنني رأيت من دفع الثمن
أما نحن، فرأينا وعلمنا من باع الوطن ومن دفع الثمن—ولا أقصد المعنى البعيد بل المعنى القريب.
ويقول عبدالرزاق عبد الواحد :
يا صبر أيوب، لا ثوبٌ فنخلعُهُ ... إن ضاق عنا ولا دارٌ فننتقلُ
لكنه وطنٌ، أدنى مكارمه ... يا صبر أيوب، أنا فيه نكتملُ
وأنه غُرَّةُ الأوطان أجمعِها ... فأين عن غرة الأوطان نرتحلُ؟!
واضيعة الأرض إن ظلت شوامخُها ... تهوي، ويعلو عليها الدونُ والسفلُ!
ويقول الشاعر العراقي يوسف الصائغ:
أنا لا أنظر من ثقب الباب إلى وطني…
لكنني أنظر من قلبٍ مثقوب…
وأميّز بين الوطن الغالب… والوطن المغلوب.
الله من يتنصت في الليل على قلب، أو يسترق السمع إلى رئتيه…
وطني لم يشهد زوراً يوماً…
لكن شهدوا بالزور عليه.












