الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبل هوليود السينمائي
لم تستغرق سوى 15 ثانية، لكنها كانت كافية لإثارة موجة قلق واسعة في أروقة أكبر استوديوهات الإنتاج السينمائي بالعالم. وكشفت عن مشهد تم توليده بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه نجما هوليود، توم كروز وبراد بيت، في عراك يبدو واقعيا تماما.
أوضح المخرج الأيرلندي رواري روبنسون، أن الفيديو الذي نشره مصنوع عبر النسخة الجديدة من نموذج "سي دانس" التابع لشركة "بايت دانس" الصينية، وأنه أعاد تشكيل النقاش في هوليود، حيث لم تعد المسألة تتعلق بجودة المؤثرات البصرية فحسب.
بينما أشار إلى قدرة هذه التقنيات على "استنساخ" البشر وإلغاء وظائف آلاف المبدعين، حيث لم يكلف المشهد صانعه سوى كتابة "سطرين" نصيين عبر نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني، لكنه كان بمثابة إعلان غير رسمي عن دخول صناعة السينما مرحلة غير مسبوقة من التحديات.
مخاوف من استبدال المبدعين
أضاف كاتب السيناريو الشهير "ريت ريس" قائلا: "يبدو أن الأمر قد انتهى بالنسبة لنا"، معبرا عن قلقه إزاء هذه التطورات.
وفي تعليقه على هذه التطورات، قال خليل حنون، محرر شؤون السينما في قناة الجزيرة، إن المخاوف التي يبديها أقطاب هوليود "في محلها تماما".
أضاف حنون أن هوليود واجهت تاريخيا مخاطر وتهديدات عدة، بدءا من ظهور التلفزيون في الأربعينيات والخمسينيات، مرورا بأشرطة الفيديو وأقراص DVD، وصولا إلى منصات البث الرقمي مثل نتفليكس وحتى جائحة كورونا.
تحديات غير مسبوقة
بينما يرى أن هوليود تمكنت من تجاوز تلك التهديدات وتكيفت معها، إلا أن الأمر هذه المرة مختلف تماما.
أشار الخبير في شؤون السينما إلى أن الاختلاف يكمن في أن الذكاء الاصطناعي يؤثر على "الصناعة بأكملها"، موضحا أن التهديد بات يطال الوظائف بشكل مباشر، حيث "لن يكون لمعظم العاملين في هوليود وجود أو حضور.
بينما أكد أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مكان مصممي المؤثرات البصرية، وممثلي المشاهد الخطرة، والممثلين الثانويين".
الذكاء الاصطناعي يوفر فرصا مغرية
وفي حين سارعت "جمعية الفيلم الأمريكي" ونقابة الممثلين لإصدار تحذيرات لشركة بايت دانس الصينية -التي استعان المخرج بنموذجها في إنتاج المقطع الرائج- بسبب انتهاك حقوق الملكية، يرى محرر شؤون السينما في الجزيرة أن الشركات الكبرى قد تجد مخرجا لمصالحها، في حين يقع العبء الأثقل على كاهل الأفراد.
لم ينكر حنون وجود خطر حقيقي يهدد العاملين في هوليود، في حين تقل هذه التهديدات على الشركات الخاصة نوعا ما بسبب قدرتها على التكيف ورصد المتغيرات وكيفية التعامل معها.
بل اعتبر أن وجود الذكاء الاصطناعي قد يمثل فرصة مغرية لإنتاج المزيد من الأفلام التي ستقل تكلفتها كثيرا لتصبح تكلفة الفيلم آلاف الدولارات بدلا من الملايين.
إضرابات هوليود والذكاء الاصطناعي
وفي سياق الجدل القانوني، يشير حنون إلى أن إضرابات هوليود الواسعة في عام 2023 كانت تضع "الذكاء الاصطناعي" كجزء أساسي من مطالبها.
ورغم التوصل لاتفاقات حينها، فإن "التصور الذي كان موجودا والقوانين التي سعوا إليها لم تساير سرعة المستجدات في هذا العالم".
فالتطورات في المجال أصبحت أسرع بكثير من الاتفاقيات، واليوم توجد معضلة حقيقية في كيفية التعامل مع سرعة الانتقال والتغيير، وتقنية باتت متوفرة لدى الجميع، وفق الخبير نفسه.
الروح البشرية في السينما
وبعيدا عن لغة الأرقام والوظائف، يطرح خليل حنون بعدا فنيا وفلسفيا للأزمة، متسائلا عن "الروح البشرية" في الأعمال الفنية.
بينما يستحضر حنون مشهد "القطة" الشهير في فيلم "العراب" (The Godfather)، مشيرا إلى أن تفاعل مارلون براندو العفوي مع قطة وجدها في الأستوديو هو ما صنع لحظة سينمائية خالدة لا يمكن لخوارزمية أن تبتكرها.
يعتقد أن "الذكاء الاصطناعي يفتقد لهذه اللمسة الإنسانية ولحظات الارتجال التي يصنعها الممثلون والمخرجون الكبار"، مرجحا أن ينحصر استخدام هذه التقنيات مستقبلا في "الأفلام التجارية البحتة"، في حين ستحافظ المهرجانات والأفلام الدرامية والإنسانية على "الحضور البشري" الذي لا غنى عنه.
ويختتم الخبير حديثه بنظرة متفائلة نسبيا حول مستقبل القاعات، مشيرا إلى أن "الجيل زد" فاجأ المراقبين بكونه الجمهور الأكثر ارتيادا للسينما في عام 2024، مما يثبت أن شغف المشاهدة الجماعية والذهاب للصالات لا يزال قائما، وأن الجمهور لا يزال يبحث عن التجربة الإنسانية الحقيقية رغم سطوة التكنولوجيا.













