السيجارة المبتزة: حين تُغلف السموم بورقٍ أبيض
جهينة نيوز -بقلم:
الدكتور ايمان الشمايلة
لم يكونوا يعلمون أن بعض الهدايا لا تأتي لتُفرِح… بل لتُحكم القيود.
وأن هناك أشياء تُقدَّم بابتسامة، لكنها تُخفي خلفها فخًّا ناعمًا، لا يُسمع له صوت… إلا بعد أن يبدأ السقوط.
في البداية، كانت مجرد "سيجارات”.
أشياء عادية، صغيرة، تُشبه الأشياء التي تمر في حياة البشر مرورًا خفيفًا، كأنها لا تملك أثرًا ولا ذاكرة.
لكن الغريب أن بعض الأشياء لا تحتاج حجمًا لتُدمّر… تحتاج فقط لحظة غفلة.
لم تكن السيجارات وحدها هي المشكلة…
بل ما كان داخلها.
شيء خبيث لا يعلن عن اسمه، لا يطرق الأبواب، ولا يقول: "أنا قادم لأهدمكم.”
بل يدخل كضيفٍ لطيف… ثم يتحول إلى مالكٍ للبيوت.
مرّت الأيام، وبدأت الأرواح تتغير قبل الأجساد.
كأن الأشخاص الذين يعرفهم الجميع… بدأوا يتبخرون.
أصواتهم صارت أضعف، وعيونهم صارت مثقلة، وقراراتهم لم تعد تشبههم، وهدوءهم لم يعد طبيعيًا… بل كان هدوء أشخاص يتألمون بصمت.
ثم جاءت المرحلة التي لا يشرحها أحد بسهولة:
حين يصبح الإنسان غريبًا داخل نفسه.
يبحث عن راحته في الشيء الذي يُدمّره، ويحاول النجاة من النار بالنار.
تدهورت صحتهم… دون أن يفهموا السبب الحقيقي.
لم يكونوا مدمنين في قراراتهم… بل كانوا ضحايا في تفاصيل لم يلتفتوا لها.
كانوا يُحاربون شيئًا لا يعرفون اسمه، ويُعاقَبون على خطأ لم يرتكبوه بنيّة.
لكن القصة لم تتوقف عند انهيار الصحة.
هناك من لا يكتفي بسقوط الآخرين… بل يريد أن يملكهم بعد السقوط.
وهكذا، بدأت لعبة الابتزاز.
ابتزازٌ لا يقوم على الحقيقة… بل على الخوف.
خوف البشر من نظرة المجتمع، ومن تفسير الناس، ومن أن تُختصر حياتهم في "تهمة”.
وهنا كانت الضربة الأقسى:
أن يُصبح الألم الخاص مادةً للتجارة.
تحوّل الضعف إلى سلاحٍ ضدهم.
وتحوّل الأسرار إلى قيودٍ حول أعناقهم.
وصاروا يدفعون من أعمارهم وكراماتهم وراحتهم… ثمنًا لأشياء لم يختاروها أصلًا.
وفي كل مرة حاولوا النهوض،
كانت هناك يد تُعيدهم إلى الأرض،
لا لأنها أقوى منهم…
بل لأنها تعرف نقطة انهيارهم.
هذه القصة لا تتحدث عن سيجارة فقط…
بل عن خيانةٍ متنكرة، وعن سمٍّ يُقدَّم في شكلٍ بريء.
عن أشخاص يزرعون السقوط في حياة الآخرين، ثم يقفون فوقه يبتسمون.
وهي أيضًا تذكير قاسٍ:
أن الشرّ أحيانًا لا يأتي على هيئة وحش…
بل على هيئة "أصدقاء”، "مجالس”، "هدايا”، أو "تجارب بسيطة”.
ولعل أعظم مأساة في هذا النوع من الحكايات،
أن الضحايا لا يُدمَّرون فقط بسبب السم…
بل بسبب الصمت.
صمت الخوف.
صمت العيب.
وصمت المجتمع حين يختار أن يُدين بدل أن يُنقذ.
لكن الحقيقة تبقى واضحة مهما حاولوا طمسها:
ليس كل سقوطٍ خطيئة…
وليس كل مدمنٍ مجرمًا…
بعضهم ضحايا فخٍّ مُتقن…
وأناس تم اصطيادهم منذ لحظة غفلة.
والأقسى من كل ذلك…
أن السيجارات قد تنتهي في دقائق،
لكن آثارها قد تُحرق الأعمار كلها.








