قراءات الشعب في التعديل الوزاري القادم

ربط جلالة الملك في خطاب العرش السامي بقاء الحكومة برضى مجلس النواب عن أدائها، بينما ربط استمرار المجلس النيابي لنهاية مدته برضى الشعب عن أدائه، والملك وهو الأقرب للشعب، يقرأ نبض الناس والشارع بشكل مستمر ومتواصل، فاليوم حكومة الملقي في طريقها للتجديد بالتعديل ودخول وزراء جدد للحكومة، حيث أنه السبيل الوحيد لاطالة عمرها كي تستهلك الى آخر رمق بترميم واقع اقتصادي صعب، اضافة الى التعامل مع ملفات سياسية ساخنة وخطيرة وعلى المستويين الوطني والاقليمي، ولقد كانت هذه الحكومة في مهب الريح أمام مجلس النواب، وبضغوطات شعبية، خاصة بعد قراراتها الأخيرة برفع أسعار المحروقات والكهرباء، من ضمن سلسلة طويلة من الرفع، والتضييق على الشعب بغية النجاة من خطر التدهور الاقتصادي وهبوط سعر صرف الدينار، اضافة لاساءة بعض وزيرات الحكومة للشعب وبعض المناطق مما أوقع الحكومة في حرج كبير (حسبما قرأنا في شتى وسائل الاعلام)، هذا وتشائم وزراء ومسؤولون واقتصاديون من الوضع، حيث صرح معالي وزير التخطيط بأن توفير فرص العمل والطاقة أهم تحديات الاقتصاد الوطني، في وقت قال فيه مدير مصفاة البترول بأن سفينة ديزل تغادر الميناء بحمولتها لعدم مقدرتنا على دفع ثمن الحمولة، فيما لم يخف الاقتصادي حمدي الطباع الخوف من تكرار سيناريو 1989م وأزمته الاقتصادية وهبوط قيمة الدينار، بينما فهد الفانك أبدى الخوف من الصدمة في ضوء ميزانية 2014م، كل ذلك ومعالي وزير المالية في خطاب الموازنة لعام 2014م يتأمل نمو الناتج المحلي (وهذا الحل الصحيح)، ويتأمل مزيدا من المساعدات (تنمية غير حقيقية)، ويطلب مزيدا من ضبط النفقات والترشيد (مزيدا من الضغوطات على الشعب وزيادة الجمود)، وفي النهاية يعلن موازنة بعجز، أمام حمى اعتصامات للمطالبة بتحسين الرواتب، ستزيد الضغط بالنفقات الجارية وغير المحسوبة على موازنة العام ذاته.

اليوم وفي الأردن نستطيع وبشيء من الحذر القول بأن الربيع العربي قد تقهقر، وانتعشت هيبة الدولة، خاصة بعد انقلاب المشهد المصري على يد السيسي، مع أن مظاهر الربيع لدينا كانت استجابة عاطفية، الا أن هنالك اليوم من ينفثون في العقد وهم كثر، ويتربصون لصيف عربي حار قد يكون قادما بحكم تعقد الأوضاع على الساحة العربية المحيطة بنا، وهذه المرة سيكون محملا بواقع اقتصادي مرير زاد سوءا بالرفع، وبطالة لم تجد طريقها للحل، وتظلمات ظهرت خلال أعوام الربيع العربي وكبتتها هيبة الدولة بعودتها، وقطط فساد سمان فارة من وجه العدالة كانت الحكومة أضعف من طلبها للحق العام.

واقع حال الشعب يقول بأن حكومة النسور تعاملت مع بلد يتطلع الى التنمية الحقيقية، دون تحقيق أي مشروع فيزيائي تنموي مستدام على أرض الواقع في عهدها، ولم تنفذ شيئا من صندوق ومبادرة تنمية المحافظات، ولا المبادرة النيابية، ولا المنحة الخليجية، مما حدا بالرئيس قبل أشهر، بالتوجه للعقبة واصطحاب فريق اعلامي، لتغطية تفقده مشاريع قائمة بالأصل (كوصفة عاجلة لاطالة عمر حكومته)، وكان المواطن (الشعب) الركن الذي اعتمدت عليه الحكومة، والتي وعلى مدى الشهور الماضية رفعت أسعار السلع والمحروقات والضرائب، بينما بقيت الرواتب تراوح مكانها، فكان أرباب الأسر بين فكي الضرائب من ناحية، وارتفاع الاسعار لمختلف السلع والخدمات من ناحية أخرى، في وقت تراكم فيه أبناؤهم الخريجون في البيوت لتوقف فرص العمل والتعيينات في القطاع العام منذ نهاية عام 2009م، وعدم مقدرة القطاع الخاص على استيعاب أية أعداد بسبب الجمود، مما منع مخرجات الاستثمار الحقيقي والمقدس للشعب (الاستثمار بتعليم الابناء)، ونتج عن ذلك تخلخل في موازين اجتماعية، أدت الى رفع سن العنوسة، وظهور العنف المجتمعي والجامعي، وبدء نمو الجريمة المنظمة خاصة في سنوات ما دعي بالأمن الناعم.

يرى الشعب في الحكومة القادمة سواء بالتعديل أو التشكيل ومع بدء العام الجديد بلسما شافيا، سيرى فيه أبناؤهم العاطلون عن العمل نور التوظيف، وتنمية فيزيائية حقيقية تنعكس عليه ايجابيا، ويشهد اما هبوطا في الاسعار أو زيادة على الرواتب، ويخشى الشعب من جمود الوضع دون تحسن يذكر، وأن يبقى هو وجيبه الحل دون تقدم على أرض الواقع، ولكنه لم تصل فيه الحال الى التفكير بما هو أسوأ في ظل ما يجري على الساحة الوطنية والاقليمية وزيارات كيري الأخيرة.

لا ننكر أن الحكومة تعاملت مع ملفات اقتصادية صعبة، ومع ملف الأمن الوطني، وملف الاصلاح، ولكن بقي ملف التنمية الفيزيائية بلا أي تقدم (وهذا ما يشوب الحكومات الأخيرة ويجعلها متشابهة)، الأمر الذي سار بالشعب الى واقع من يصطفون بالطوابير أمام مديريات وزارة التنمية الاجتماعية، لتقاضي المعونة وهم بازدياد، بينما هنالك فرصة وطنية كبيرة لا تأتي كل يوم لتنمية حقيقية ترفع الناتج المحلي، سببها التغيرات على المستوى الاقليمي، والتي باتت تشكل طريقا وطلبا لمنتج محلي في السوق المحلية والاقليمية وحتى العالمية، يحولنا من شعب مستهلك الى شعب منتج، ويحل مشاكل البطالة، والسؤال من هم وزراء وفرسان التعديل الوزاري والذين سيشهد عهدهم التنمية الحقيقية الفيزيائية المنشودة؟

حماك الله يا ابن هاشم، وحمى الوطن وشعبه الكريم من شتى أصوله ومنابته، في مدنه وبواديه وقراه ومخيماته،فواقع الحال اليوم يقول: ان لم يكن وزراء التعديل من رحم الشعب والميدان والذين عملوا بعيدا عن الكاميرات ولا يلاحقون بقعة الضوء، فسيكون المسار وبالقادم القريب ليس تعديلا بل تشكيلا حكوميا قد لا يرحب به المجلس النيابي، وهذا ما نخشاه في ظل مرحلة تتطلب الهدوء وعمق التفكير، وصيف عربي حار قد يكون قادما.