بلال العبويني

تكمن أهمية عملية القدس في توجيه مؤشر البوصلة إلى اتجاهها الصحيح حيث المحتل الإسرائيلي، ولتعيد تعريف عمليات المقاومة المشروعة والتفريق بينها وبين العمليات الإرهابية التي تنفذها عصابات داعش ومن سار على نهجها.

داعش واخواتها، وهي العصابات الإرهابية المشكوك في نشأتها وارتباطاتها، لم يكن في يوم من الأيام على أجندتها استهداف العدو الإسرائيلي، فلم يصدر عن تلك التنظيمات الإرهابية ولا حتى بيان تضامني مع الحرم القدسي الشريف الذي يتعرض إلى هجمات متكررة من قطعان المستوطنين الذين يعيثون فيه تدنيسا.

رئيس حكومة الاحتلال ألصق بمنفذ العملية الذي استشهد بعد أن قتل أربعة جنود وأصاب 18 آخرين تهمة الانتماء إلى عصابة داعش، وهذا أمر متوقع في إطار سعي الاحتلال إلى "شيطنة" العمل الفلسطيني المقاوم، وكذلك مفهوم أن يتبعه في ذلك بعض ساسة العالم وحتى بعض ساسة فلسطين أيضا.

قبل أكثر من عام بقليل؛ ثمة من وصف الشباب الذين أطلقوا شرارة انتفاضة السكين بأنهم "عبثيون"، وثمة مسؤولون فلسطينيون تبرأوا من أعمالهم ووصفوها على أنها "أعمال زعرنة"، في إطار تشويه ما يقومون به.

في ذلك الوقت كانت تلك الهجمة مفهومة، باعتبار الشباب الثائر أحرجوا كل الفصائل الفلسطينية التي لم يكن لها دور في تحريكهم أو حتى رعايتهم، وأحرجوا السلطة الفلسطينية التي تركض وراء مفاوضات لم ولن تحقق، على ما يبدو من ورائها، السلام.

عملية القدس، على اهميتها في وضع النقاط على الحروف في تحديد مؤشر بوصلة المقاومة إلى اتجاهها الصحيح، والتفريق بين ما هو مقاومة وما هو إرهاب، فإن من الممكن قراءتها على أنها ردّ على قرار الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وهو القرار الذي لم يجرؤ على اتخاذه العديد من الرؤساء الأمريكيين منذ تصويت الكونغرس عليه قبل ما يقرب من عشرين عاما.

التاريخ يقول إن المقدسيين لم يتخلوا عن مدينتهم ولن يتخلوا، ما يدفع إلى توقع مزيد من عمليات المقاومة دفاعا عن العاصمة الأبدية التي اتخذها الفلسطينيون لدولتهم.

قرار ترامب، الذي يضرب فيه المشروع السياسي للسلطة باعتبار القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين المستقلة، هو ما دعا رئيس السلطة محمود عباس لوصف القرار بـ "العدوان الجديد" على الفلسطينيين.

فإذا كان هذا قول أبو مازن الذي لا يؤمن بالمقاومة المسلحة، فكيف هو إذن بالنسبة للمقاومين الذين يرون في القدس كلها عاصمة أبدية.

بالتالي، لا يضير المقاومين الذين يوجهون رصاصهم إلى صدور جنود الاحتلال أن يصفهم نتنياهو وغيره من ساسة العالم بـ "الإرهابيين"، لأن هذا ديدن المحتلين طيلة سنوات الاحتلال.

بيد أن الصاق تهمة الانتماء إلى عصابة داعش، لا يمكن أن تنطلي على أحد، ولا يمكن القبول بإلصاق عمل بطولي شريف كالذي قام به ابن جبل المكبر فادي قنبر بعصابة إرهابية مجرمة.