بلجيكا والوجه المشين لإمبراطوريتها.. هنا حدائق الحيوان البشرية، أفظع فصول التاريخ!

22-04-2018 11:06 PM منوعات و غرائب
Image

"أخذوا يلقون بعض العملات وأصابع الموز لهم داخل أكواخ البامبو"، إنه ليس مشهداً داخل حديقة حيوان، بل واقع كان يحدث يومياً في واحد من أفظع فصول التاريخ البشري. "إنها حدائق الحيوان البشرية"!

دولة أوروبية صغيرة لا تتكلم بلغة واحدة رسمية،وحصلت على استقلالها متأخراً مقارنة بمعظم دول أوروبا، عاشت دوماً متوارية في ظلال بريطانيا وفرنسا، واعتبرتها ألمانياممراً طبيعياً لغزواتها دون أن تأبه لحيادها.

كانت بلجيكا، التي استقلت عن هولندا في العام1830، تحتاج للحصول على مكانة مهمة في هذا العالم، ولَم تجد أفضل من الكونغو، الدولة الإفريقية الغنية بالثروات الطبيعية والتي تعادل مساحتها 80 مرة مساحة بلجيكا، لتحقيق هذا الغرض بحسبصحيفةThe Guardianالبريطانية.

في ديسمبر/كانون الأول 2018، تنكأ بروكسل جرحاً بلجيكياً قديماً عندما تعيد افتتاح المتحف الملكي لتاريخ وسط إفريقيا. ذلك المتحف الذي يضم شواهد على التاريخ الاستعماري لمملكة بلجيكا في القارة السمراء. لكن إعادة افتتاح المتحف، المغلق منذ 5 سنوات، يعيد للأذهان أيضاً قصة آخر حديقة حيوانات بشرية عرفها العالم.

الذكرى: مشهد يتناساه الكثيرون

قبل 60 عاماً وفي شهر أبريل/نيسان 1958، نظَّمت بلجيكاالمعرض الدولي "إكسبو 58" في العاصمة بروكسل، واستمر المعرض 200 يومٍ من الاحتفال المتلألئ بالتقدم الثقافي والتكنولوجي بعد الحرب العالمية الثانية، التي بدأت باجتياح الألمان البلاد.

وقيل وقتها إنَّ الهدف من المعرض هو الاحتفاظ بـ "مكان مهم في الوعي الجمعي للأمة البلجيكية". عُقِدت سلسلة من الأحداث فيأتوميوم، المَعلَم المستقبلي الذي بُني خصيصاً لتخليد المعرض ولينافس برج إيفل.

لكنَّ جانباً من المشهد تناساه الكثيرون؛ وهو أن المعرض "الحضاري" ضمَّ ضمن فعالياته آخر "حديقة حيوان بشرية" عرفها العالم.

واليوم بينما تغرق العاصمة البلجيكية بروكسل في "النوستالجيا"، لم تتم إعادة النظر في هذا العرض الحي لرجال ونساء وأطفال سود البشرة في "حالتهم الطبيعية"، تم جلبهم لأغراض تعليمية وترفيهية للأوروبيين البيض!

كونغوراما: تخليد لإنجازات بلجيكا

في العام 1958، كانت بلجيكا تحكمالكونغو، وكانت تُعَد مصدر فخرٍ للبلاد، ورأى الساسة البلجيكيون في معرض "إكسبو 58″ فرصةً لترويج ذلك الإنجاز، مُصدِّقين بذلك على ما كان يُنظر إليه باعتباره علاقةً خاصةً مع الكونغو البلجيكية.

عند قاعدةمَعلم أتوميوم، خُصِّصت 7 أجنحة على مساحة 8 هكتارات من الأرض (80 ألف متر مربع)، فقط لعرض إنجازات بلجيكا في التعدين بالكونغو، والفنون، والنقل، والزراعة، وموضوعات أخرى، فيما عرف باسم"كونغوراما"(أو بانوراما الكونغو).

لم يكتفِ المعرض بعرض الإنجازات الاقتصادية، لكنه عرض أبناء الشعب الكونغولي من الرجال والنساء والأطفال يوماً بعد يوم، في الحدائق الاستوائية التي احتلت مساحة 3 هكتارات (30 ألف متر مربع)، مرتدين أزياءهمالتقليدية خلف أسيجة البامبو.

البداية: بيت القردة

لم تكن عروض حدائق الحيوان البشرية جديدة بأي حال على المجتمع الغربي، فقد كانت تُقام بانتظام في وقت مبكر من القرن السابق بلندن وباريس وأوسلو وبرلين.

وبولاية نيويورك الأميركية في العام 1906، تم إيداع شاب كونغولي ذي أسنان حادة في بيتٍ للقردة داخل حديقة حيوانات برونكس.

ولَم تكن بلجيكا استثناءً، ففي صيف العام 1897، استجلب ليوبولد الثاني، ملك بلجيكا في ذلك الوقت، 267 مواطناً كونغولياً إلى العاصمة البلجيكية بروكسل؛ لعرضهم حول قصره في تيرفيرين شرق بروكسل.

أُمروا أن يجدِّفوا بقواربهم في البحيرات الملكية، زار تلك البحيرات نحو 1.3 مليون بلجيكي من إجمالي 4 ملايين نسمة هم سكان البلاد. وكانوا يمشون على جسر من الحبال فوق البحيرات للحصول على أفضل رؤية.

كان ذلك الصيف شديد البرودة؛ ما أدى إلى وفاة 7 كونغوليين بالالتهاب الرئوي والأنفلونزا. وقد أُلقيت جثثهم داخل مقبرة جماعية لا تحمل شاهداً في المدافن المحلية.

وسرعان ما اكتسبت حديقة الحيوانات البشرية البلجيكية شعبية عندما وُضعت داخل ما عرف باسم "متحف الكونغو"، الذي شُيد في نهاية القرن التاسع عشر، ثم تغيَّر اسمه إلى"المتحف الملكي لوسط إفريقيا".

احتجاجات: اعتراض حكومي والسبب ليس إنسانياً على الإطلاق

في العام 1958، كان المتحف قد بات أصغر حجماً، لكن يضم المحتوى نفسه. وقد تم في ذلك الوقت بناء قرية "نموذجية"، حيث أمضى الكونغوليون أيامهم في ممارسة حرفهم الخاصة داخل أكواخ من القش، بينما كان الرجال والنساء البيض يقفون على الضفة يتفرجون ويتهكمون عليهم.

كتب أحد الصحفيين في ذلك الوقت، "إن لم يحدث رد فعل (من الكونغوليين)، فإن المتفرجين يلقون بعض العملات وأصابع الموز داخل أكواخ البامبو". فيما كُتِب تقريرٌ آخر يتناول الناس الذين يتحدثون عن "رؤية الزنوج داخل حدائق الحيوان".

كان العرض يضم 598 مواطناً كونغولياً – من بينهم 273 رجلاً، و128 امرأةً، و197 طفلاً – جُلبوا من إفريقيا ليشاركوا في العرض، الذي كان يتوسع يوماً تلو الآخر.

الغريب أنه بحسبد. سارة فان بيردين، المؤرخة في شؤون وسط إفريقيا، فقد أبدت وزارة المستعمرات آنذاك "غضباً شديداً حيال ما قد يُسبِّبه بقاء ذلك الرقم غير المسبوق من الكونغوليين داخل بلجيكا".

لكن الكونغولين، الذين كانوا في مبنى مخصص ومعزول عن المعرض يمكن منه نقلهم بسهولة، اشتكوا من أماكن الإقامة الضيقة، والقيود الصارمة على مَن يزورونهم أو إمكانية الخروج في جولات قصيرة من المبنى، وبالتأكيد من العنف اليومي الممارَس ضدهم داخل المعرض.

النهاية: العودة للوطن

بحلول شهر يوليو/تموز من العام 1958، لم يستطع الحرفيون الكونغوليون التحمل أكثر من ذلك، وعاد بعضهم إلى أرض الوطن.

وأُغلقت حديقة الحيوان البشرية، كما يُعرِّفها الكونغوليون، بينما استمر بقية المعرض. لم يُكتَب لحدائق الحيوانات البشرية الاستمرار، ففي يناير/كانون الثاني 1959، حصلت الكونغو على استقلالها.

لكن بالنسبة إلىغويدو غريسيلز، المدير العام للمتحف الملكي لوسط إفريقيا، فإنَّ المعرض الدائم الذي تأسس منذ العام 1897 – الذي يحارب الإجحافات التي كانت في صميم فكرة حديقة الحيوانات البشرية وما زالت حسب قوله- هو محور حياته.

في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2018، سيفتحالمتحف الملكي لوسط إفريقياأبوابه أمام الجمهور مرة أخرى، بعد 5 أعوام من إغلاقه، وبعد القيام بتجديدات بلغت تكلفتها 75 مليون يورو (نحو 93 مليون دولار).

وقد تم بناء مركز جديد للزوار، بالإضافة إلى مساحة شاسعة تحت الأرض، ضاعفت مساحة معرض المتحف إلى 11 ألف متر مربع. لكنْ وراء هذا التغير المادي تغير جذري على وشك الحدوث.

عندما تولى غريسيلز إدارة المتحف في عام 2001، لم يكن المبنى -بحسب قوله- قد تغيَّر كثيراً منذ عشرينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى زخارف من حروف اسم الإمبراطور ليوبولد الثاني والتي كانت تطل على الزائرين في كل غرفة تقريباً، والاقتباسات الملكية التي كانت تحتفي بالمستوى الاستعماري، كانت القصص تُروى فقط هي عن بلجيكا التي جلبت النور، حيث لم يكن إلا الظلام.

الأسطورة: لماذا يخشون هذا المتحف؟ أشباح ليوبولد الثاني

يعترف غريسيلز، "كنا مؤسسةً استعمارية على مدى 100 عام. وللكثير من البلجيكيين، مثَّل متحفنا أول التقاءٍ لهم مع قارة إفريقيا. فقد اكتسب معظم البلجيكيين انطباعهم الأول عن إفريقيا هنا، وهو أنَّ الرجل الأبيض أفضل من الرجل الأسود. كنا هناك لنعلِّمهم الحضارة. لقد صورنا الأفارقة هنا عراةً يحملون حِراباً، ولا يحملون أي حضارة".

ويعتقد غريسيلز أنَّ أحد أسباب حالة الجمود المحيطة بالمتحف هو حقيقة أنَّ المجتمع البلجيكي لا يريد إعادة النظر في ماضيه الاستعماري. ويقول: "الأمر عاطفي جداً هنا؛ لأنَّ في كل أُسرة بلجيكية يوجد فردٌ عمل في الكونغو. منهم التبشيري، والمعلم، والإداري. اسأل أي بلجيكي، وستجد لديه أحد بالتأكيد. لذلك، فهو موضوع عاطفي".

قال غريسيلز إنَّ النقاش حول الماضي الاستعماري لم يبدأ فعلياً في بلجيكا حتى صدور كتاب الكاتب الأميركيآدم هوتشيلد "King Leopold’s Ghost – شبح الملك ليوبولد" في العام 1998، أي بعد 40 عاماً من معرض "إكسبو 1958″، الذي يكشف عن جرائم الملك البلجيكي في إفريقيا والتي يقال إنه قتل فيها 10 ملايين فرد.

بعد كتاب هوتشيلد، "ظهرت الكثير من النقاشات بعد ذلك بالتدريج. لكن المناهج الدراسية داخل المدارس البلجيكية كانت تروج لفكرة (نشر الحضارة)، حتى وقت قريب".

وقد ارتفعت مؤخراً بعض أصوات المغتربين الكونغوليين في بلجيكا، تدعو إلى "إنهاء الاستعمار" في مؤسساته وإغلاقها. لكن غريسيلز يقول إنَّ مهمته في الأشهر التسعة المقبلة هي سرد قصة مغايرة عن بلجيكا في الكونغو.

ومن المتوقع أن يلقي وزير الخارجية البلجيكي كلمةً في يوم الافتتاح، عن تاريخ بلجيكا الاستعماري في حضور الأسرة الملكية. وقال غريسيلز: "لدينا مسؤولية لتهذيب اعتقاد لدى الكثير من البلجيكيين بأنَّهم يتفوقون على أصحاب البشرة السوداء. الأمر يتغير الآن. لكن ربما يستغرق بعض الوقت".

تنويه

* تتم مراجعة كافة التعليقات من قبل ادارة الموقع.
* للادارة حق حذف اي تعليق يتضمن اساءة او خروج عن الموضوع المطروح, او ان يتضمن اسماء اي شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او المذهبية او العنصرية.
* للادارة الحق بحظر اي شخص يكرر المخالفات بنشر تعليقات غير مناسبة وايقافه عن التعليق بشكل نهائي.
* التعليقات تعبر عن رأي اصحابها فقط.