التعليم الهندسي

الدكتور محمد طالب عبيدات

أ.د.محمد طالب عبيدات

التحدّي الأول الذي يواجه التعليم الهندسي في معظم التخصصات هذه الأيام هو الفجوة بين العرض والطلب وعدم مواءمة مخرجات التعليم الهندسي لكثير من الحاجات الحقيقية لسوق العمل، بالرغم من الجهود المقدّرة المبذولة من قبل نقابة المهندسين والجامعات والمجتمع والقطاعين العام والخاص، ومع ذلك فالبطالة باضطراد وربما سيصل عدد المهندسين لأكثر من مائتي ألف خلال الخمس سنوات المقبلة، حيث يزيد منتسبو النقابة السنوي عن عشرة آلاف مهندس، وطلبة الهندسة على مقاعد الدراسة في الداخل والخارج ينوفون عن ستون ألفاً، وفرص العمل شحيحة ونسبة البطالة تجاوزت 30% بين الذكور و45% بين الإناث وفي بعض التخصصات أكثر من 50%، ولكن الواقع يقول إن الأردن مركز قويم لضخ الكفاءات الهندسية لإقليم الشرق الأوسط برمّته والمهندسون حققوا إنجازات تذكر بتميّز في دول الخليج وغيرها، ولهذا نحتاج لوقفة مراجعة وتنسيق وتكاملية في الأداء لضبط التخصصات والسوق:

1. التحدي الإقتصادي المحلي والإقليمي يلقي بظلاله على مسألة البطالة بين صفوف المهندسين، فالنمو الإقتصادي ليس بالعالي مما يعني بأن الإستثمارات والبنى التحتية وغيرها من المشاريع حتماً ستؤثّر على سوق عمل المهندسين، وهذا التحدي كنتيجة للأزمة المالية العالمية ليس أردنياً فحسب بل لكل دول المنطقة بإستثناء الخليج العربي.

2. البطالة بشقّيها العطالة والمُقنّعة، والفجوة بين العرض والطلب هما المشكلة الرئيسة، ويتحمّل مسؤولية ذلك الأهل والطلبة والحكومة ونقابة المهندسين ومجلس التعليم العالي لإطلاقهم تخصصات وبرامج هندسية دون معرفة الحاجات الرئيسة الوطنية أو الإقليمية، وخصوصاً البرامج الموازية والدولية التي تضخ أعداد مضطردة لسوق البطالة، بالإضافة إلى عدم المواءمة بين مخرجات التعليم العالي وحاجات سوق العمل.

3. تحديات أخرى تشمل ثقافة المشابهة بين الأهل والفوضى على الطلب بسبب عدم وجود أطر عامة أو سياسات أو إستراتيجيات لضبط أعداد طالبي دراسة الهندسة داخلياً وخارجياً، وضعف بعض مخرجات التعليم الهندسي بما يخص جودة التعليم، وضعف بعض الخطط الدراسية وعدم إشتمالها على المهارات الهندسية والتقنية والناعمة والبرمجيات المطلوبة، بالرغم من وجود أطر عامة للإعتماد العام والخاص من هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي، والإحجام عن تعيين أو تشغيل الإناث عند معظم أرباب العمل. وهذا يشكّل معضلة جندرية، وقلّة وتفاوت الخبرات بين الخريجين بسبب تباين جودة مخرجات الجامعات أو نقص التدريب والمشاريع.

4. رغم قوّة مخرجات الجامعات الأردنية في التعليم النظري والدليل تحقيقها لتصنيفات وإعتمادات عالمية ممتازة، بيد أن خرّيجيها يحتاجون لأطر تدريبية ميدانية ومهارات عصرية ناعمة في معظم التخصصات، وبالتالي هنالك حاجة ماسة لتشاركية مع نقابة المهندسين والقطاع الخاص لتغييرات جذرية على محتوى الخطط الدراسية وآليات التدريس والدراسات الميدانية والتدريب والتطبيق العملي ومشاريع التخرّج وغيرها.

5. لردم الفجوة بين العرض والطلب مطلوب مهارات لا شهادات، فالحاجات مهارات ناعمة لا صلبة! ونحتاج لمهارات مطلوبة لسوق العمل (برمجيات ومهارات ناعمة وغيرها)، ومطلوب الإلتزام بخطة لجنة تنمية الموارد البشرية للتعليم الهندسي (لجان إستشارية قطاعية، دراسات فجوات العرض والطلب، وخطط إستراتيجية قطاعية)، وهنالك حاجة للتعليم التقني التطبيقي وبرامج خاصة بكليات المجتمع لمدة ثلاث سنوات (يحتاج لتشريعات جديدة في مراحل البكالوريوس والدراسات العليا وفق ما طرحته جامعة البلقاء التطبيقية).

6. هنالك حاجة لتسويق الكفاءات الهندسية خارج الأردن وخصوصاً الخليج العربي وأوروبا وشرق آسيا وغيرها، وحاجة لإيجاد قواعد بيانات لربط كفاءات وتخصصات المهندسين والحاجات الحقيقية للسوقين المحلي والإقليمي، وحاجة لإطلاق مبادرات تعاون وتوأمة إقليمية ودولية في مجالات التدريب والتشغيل والإستشارات في مختلف القطاعات الهندسية، وحاجة لتوجيه طلبة الجامعات عمودياً صوب الدراسات العليا، وحاجة لإيجاد مجلس أعلى للشراكة بين القطاعين العام والخاص للتعليم والتشغيل والتدريب الهندسي، وحاجة لتخصصات ديناميكية توائم الألفية الثالثة (الذكاء الإصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها)، وحاجة لخلق بيئة الأعمال الهندسية والمبادرات التشغيلية والبرامج التدريبية لحاجات سوق العمل، وحاجة لتطوير الخطط الدراسية والمحتوى التعليمي لتشمل مهارات أكثر مطلوبة لسوق العمل وبرمجيات وأبحاث ميدانية وحل مشاكل وتحديات هندسية وأخلاقيات المهنة، وحاجة لخطة إستراتيجية وطنية للتعليم الهندسي أساسها التشاركية بين النقابة والجامعات ومراكز التدريب ونقابات التشغيل كالمقاولين وبيئة الأعمال وأصحاب العمل وديوان الخدمة المدنية ووزارة الخارجية والمغتربين وغيرها.

7. كما نحتاج لمجلس سياسات استشاري هندسي يساهم في رسم سياسات وإستراتيجيات هندسية وطنية وخصوصاً وضع تصورات لردم الفجوة بين العرض والطلب والتخصصات المطلوبة والراكدة والمشبعة، ونحتاج لتخطيط جيد للعرض لدى مزوّدي التعليم الهندسي في الجامعات والتدريب في القطاع الخاص والنقابات للبرامج المطلوبة، ونحتاج لتنظيم ممارسة المهنة وخصوصاً إيجاد شهادة المهندس الممارس والمهنيP.E.، ونحتاج لتخصصات إبداعية خارج الصندوق أساسها التشبيك بين التخصصات المتداخلة والمتعددة Multidisciplinary & Interdisciplinary، ونحتاج لتفعيل برامج تدريب المهندسين من خلال أكاديمية تدريب هندسي بتشاركية بين القطاعين العام والخاص بطرق ليست تقليدية بل وضع إطار عام ممنهج لمهارات محددة مرتبطة بجدول زمني لغايات تشغيل المهندسين عن طريق التدريب وليس تدريبهم فقط، ونحتاج لإعادة تأهيل بعض المهندسين حديثي التخرّج في ظل تباين جودة التعليم بين الجامعات الرسمية والخاصة والأهلية والخارجية.

8. وهنالك حاجة لخلق فرص عمل من خلال إستثمارات محلية وخارجية وهذه مسؤولية حكومية، وكذلك خلق فضاءات لفرص عمل خارجية من خلال الدبلوماسية الأردنية، وحاجة لتفعيل مبدأ تصدير الخدمات الهندسية للأسواق الأوروبية والخليجية والعالمية، وحاجة للمواءمة بين الكم والنوع لأعداد الخريجين، وهذا بالطبع يحتاج لدعم الجامعات مادياً كنتيجة لحاجات موازناتها لكثير من الدعم، وحاجة لإيجاد جهة تنظيمية وطنية تُفعّل آليات لتصدير الخبرات والكفاءات الهندسية والتشبيك مع مؤسسات وشركات التشغيل العالمية، وحاجة لإعادة تنظيم التخصصات والبرامج الجامعية والهرم التعليمي المقلوب للتوجّه صوب التعليم التقني وبرامج الدبلوم وكليات المجتمع تحديداً والمطلوبة لسوق العمل، وذلك يتطلّب حوافز حكومية لتشجيع الدارسين.

بصراحة: القطاع الخاص والفرص الإقتصادية والمبادرات التشغيلية والمهارات المطلوبة لسوق العمل -وليس وظيفة القطاع العام- هي العناوين الرئيسة لحل مشكلة البطالة عند المهندسين وغيرهم من التخصصات، ولهذا فمطلوب تشاركية كل الجهات المهنية والتعليمية والتنظيمية والحكومية والخاصة لضبط وتنظيم سوق العمل في كل التخصصات وليس الهندسة لوحدها، والأفكار أعلاه تشكّل بداية الطريق السليم.