المؤتمر الإقتصادي في المنامة التوقعات والنتائج

الباشا مروان العمد

كنت ومنذ انعقاد الجلسة الافتتاحية لمؤتمر المنامة الاقتصادي افكر ان اتحدث عنه وهو الذي كان من المفترض ان يكون الحل الإقتصادي للقضية الفلسطينية كبديل للحل السياسي ، أي تحسين حياة البشر في المناطق الفلسطينية المحتلة كبديل لإعطائهم دولة فلسطينية مستقلة بعد ان ألغت الولايات المتحدة الأمريكية حل الدولتين واعترفت بالقدس عاصمة موحدة وأبدية للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية اليها والتفكير بضم المستعمرات الصهيونية المقامة على الاراضي للفلسطينية المحتلة للسيادة الصهيونية واعتبار ما تبقى من هذه الاراضي أراض متنازع عليها . كنت اريد ان اكتب عما تم في هذا المؤتمر وما تم بحثه فيه وما تم مناقشته وما هي النتائج والتوقعات . ولكني كنت أوأجل ذلك حتى تكتمل المعلومات لدي حول هذا الموضوع .

وهذا هو المؤتمر قد انعقد وانتهى ولم نعرف ماذا جرى به وماهي المواضيع التي تمت مناقشتها وما هي القرارات التي اتخذها وما هي التوصيات ومن وافق عليها ومن لم يوافق ، ولم نخرج من هذا المؤتمر الا بمنظر الدائرة المستديرة التي ترتفع عن مستوى القاعة ويقف في مركزها صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره الشخصي ومساعده المكلف بعقد صفقة القرن جاريد كوشنير ، فيما اعضاء الوفود يجلسون على محيط الدائرة ينصتون كالطالب النجيب لما سوف يلقيه عليهم هذا الصبي الذي هو في عمر احفادهم عن اهم مفاصل الخطة الاقتصادية لصفقة القرن وليقول لا شيئ .

ولقد سبق وان قلت في مقال سابق ان دور كوشنير في هذا المؤتمر الذي هو عرابه سيكون فقط إلقاء كلمة لن تأخذ من وقته اكثر من ربع ساعة ثم سيترك الحديث للاقتصاديين الذين حضروا المؤتمر لهذه الغاية والذين هم من جنسيات أمريكية وخليجية وان سبب ذلك هو ان المؤتمر قد خُتم بختم عدم الصلاحية قبل انعقاده وعندما انحصرت المشاركة به على وفود تمثل السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن والبحرين والمغرب والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والذين حضر نصفهم نتيجة الضغوط الهائلة التي ما رستها عليهم الإدارة الأمريكية لحضوره ولو على مستوى منخفض انحصر ما بين وزير مالية او مساعد وزير مالية . وبحضور بعض المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعدد من كبار الشركات ورجال الاعمال في العالم والذين يمثلون رأس المال الصهيوني ، بالاضافة الى بعض رجال الاعمال من المنطقة والذين كان حضورهم من ضمن ديكور القاعة او للعب دور المحلل لقراراته .

وبغياب اهم عنصرين عن المؤتمر الا وهما السلطة الفلسطينية التي رفضت الحضور والمشاركة فيه ، والحكومة الاسرائيلية التي نُصحت من قبل الإدارة الأمريكية بأن لا تكون مشاركتها على مستوى حكومي وإنما على مستوى اقتصادي غير حكومي بعد ان كان نتنياهو قد اعد نفسه لألتقاط الصور مع زعماء عرب وعلى ارض عربية وفي ظل العلم الصهيوني ، وبعد ان كانت الدولة الصهيونية قد أعدت لحضوره على اعلى مستوى في القيادة السياسية والمالية بالاضافة الى وفد لا يقل عن مائتي عضو يمثلون الجهات الاقتصادية المختلفة ، ناهيك عن الوفود الإعلامية الصهيونية التي كانت سترافق هذا الوفد لتغطية أعمال المؤتمر.

وذلك بعد ان تبين للادارة الأمريكية مدى انخفاض عدد المشاركين فيه ومدى انخفاض مستوى التمثيل فيه ، وبعد ان رفضت اغلب للأطراف العربية والدولية المشاركة بهذا المؤتمر . وحتى ان الإدارة الامريكية التي تقف وراء انعقاده والتي كانت تعول عليه كثيراً لإتمام صفقة القرن لم تمثلها فيه اَي شخصية سياسية بارزة باستثناء المتحدث الرسمي في هذا المؤتمر جاريد كوشنير .

وبعد ان كانت الأخبار التي يتم تداولها اوتسريبها عن صفقة القرن تتحدث عن مئات مليارات الدولارات ستساهم بتغطيتها الكثير من الدول العربية الخليجية والدولية وعن خطط ومشاريع اقتصادية عملاقة الى حد الخرافة وعن تبادل اراضي وعن اعطيات وهبات ومشاريع عملاقة تصل المحيطات بعضها البعض ، اعلن كوشنير ان المبلغ الذي تتحدث عنه هذه الصفقة هو خمسون مليار دولار فقط لتنفيذ ١٧٩ مشروعاً على مدى عشر سنوات . وان نصف هذا المبلغ وبواقع خمسة وعشرون مليار دولار هي قروض بفوائد.

وان احد عشر مليار دولار ستكون عبارة عن تمويل من راس المال الخاص الذي سيسعى للربح وليس لدعم الاقتصاد الفلسطيني ولا الدول العربية المعنيه به ، وان قيمة المنح التي ستوزع على الفلسطينين والأردن ومصر ولبنان لن تتجاوز الأربعة عشر مليار دولار لها جميعها وكل ذلك ايضاً على مدى عشر سنوات ، وان نصيب الضفة الغربية وغزة من مجمل المبلغ اكثر من نصفه بقليل فيما سيتم توزيع بقية هذا المبلغ على الدول المحيطة بأسرائيل وهي مصر وخصص لها مبلغ تسعة مليارات دولار والاردن وخصص له سبعة مليارات وثلاثمائة مليون دولار ولبنان وخصص له ستة مليارات دولار وهذه المبالغ موزعة ما بين منح وقروض واستثمارات للقيام بمشاريع فيها سيكون أهمها لخدمة دولة الصهاينة وبعضها لخدمة الفلسطينين ولكن دون ان يكون لهم سيطرة على هذه المشاريع وربما لتوطين بعض النازحين الفلسطينين فيها .

وبالرغم من انني ممن كانوا يقولون ان المبلغ الذي ستتضمنه صفقة القرن والمشاريع المرافقة لها لن تتجاوز بضع عشرات من المليارات فقد جاء المبلغ الذي تحدث عنه المؤتمر اقل من توقعاتي بكثير لينطبق عليه المثل تمخض الجمل فولد فأراً .

فهل يريدون منا بهذا المبلغ البخس ان نبيع فلسطين وقضية فلسطين وحقوق الفلسطينيين وان نحمل فوق أعناقنا مليارات الدولارات كقروض إضافية على قروضنا من اجل تنفيذ مائة وتسعة وسبعون مشروعاً سيكون أهمها وأكثرها كلفة لصالح الكيان الصهيوني ؟ .
ًوالى لقاء آخر حول هذا المؤتمر